بسم الله الرحمن الرحيم

أنواع القيادات

القيادة في الدنيا ثلاث: قيادة مبدعة وقيادة ملهمة وقيادة ذكية، ولا توجد قيادة دون ذلك لأنها حينئذ لا تكون قيادة.

القيادة الذكية:

هي بمقام الرجل الذكي لديها إحساس واعٍ وثروة فكرية كافية واستعمال لهذه الثروة في آونة بحيث يجعلها تواكب الأحداث وتسير مع الحوادث وفي مستواها ولا تسمح لنفسها بالتأخير عنها، ومثل هذه تكون مجلية في الأيام العادية ولكن إذا ادلهمت عليها الخطوب تصبح في حاجة إلى بذل جهود غير عادية حتى تحتفظ بزمام الأمور وتسير في قيادة الركب وتحافظ على المستوى القيادي كما هو من غير أي خدش.

القيادة الملهمة:

هي بمثابة الرجل النابغة إذ هو الأول في كل شيء يأبى أن يكون في مستوى الناس بل يحرص على أن يظل أولهم وفي مقدمتهم وهذه القيادة الملهمة طراز نادر تأبى إلا أن تكون الأولى في كل شيء، في الفهم والإدراك والإتقان والجدية واجتياز العقبات والاضطلاع بالمهمات والقيام بالأعمال وغير ذلك مما هو موجود في حياتها القيادية، ثم فوق ذلك تملك القدرة على رفع الهابطين وبعث الحركة في الخاملين وتقريب البعيد لقصيري النظر وتوضيح الرؤية لمن على أبصارهم غشاوة وعلاج المرضى المتعبين وإبعاد الأموات من بين الأحياء، وهي إلى جانب ذلك تملأُ قلوب الناس عاطفة وعقولهم حيوية وتفكيراً ونفوسهم ثقة ورضاءً، وهي في شدة تلك الأزمات وفي الأحوال العادية سواءٌ، تسير في قيادتها دون أن تشعر بالحاجة إلى بذل جهد غير عادي أو بأن الحمل قد ثقل عليها لأن الشدائد هي التي تُشعِر القيادة وتجعلها تحس بحلاوة أعبائها.

القيادة المبدعة:

هي بمقام الرجل العبقري طرازاً فريداً، والعبقري لا يرضى أن يكون أحسن الناس وفي مقدمتهم بل يأتي بأشياء جديدة لا يعرفها الناس فيَحمِلهم أن يسيروا عليها فهو لا يتقن ما هم عليه ليكون أحسنهم فيه وإنما يغير ما هم عليه ويفتح لهم طريقاً جديداً أو يدفعهم دفعاً لأن يسيروا فيه ولو كان في ذلك المشقة والتعب والبذل والتضحية، وكذلك القيادة المبدعة لا ترضى باتجاهات الرأي العام ولا بما عليه أفراد الناس فلا تفكر بأخذ قيادتهم وإنما ترتفع عن مستوى الناس وتنظر ما وراء الجدار لتشرف على المجتمع وتبصر ما حال الجدار دون رؤيتهم، ثم تعمل لقلب ما عليه الناس وتغيير اتجاه الرأي العام وبعد ذلك تحاول أخذ قيادتهم حتى إذا استرخصوا دماءهم وأموالهم في سبيل الفكرة التي يحملونها فضلاً عن عمل المشقة والعناء وحينئذ تولّت قيادتَهم على أساس بذل المُهَج والأرواح والأموال عن رضىً واطمئنان. هذه هي القيادة المبدعة فهي لا تقود الناس بفكرهم وإنما تَحمِلهم على تغيير أفكارهم، ولا تسير فيهم في الطريق الذي يسلكونه بل تجعلهم يسيرون في الطريق الأشق والدرب الأصعب، وفوق ذلك فإنها تجعل ثمن سيرهم في هذا الطريق المشقة والعناء وبذل المُهَج والأرواح بسخاء بكل نفيس من الأموال، ثم إنها لا تكتفي بالسير في الأزمات كما يسير في الرخاء دون فرق بينهما وإنما توجِد المشاكل وتَفتعِل الأحداث والأزمات وتشعل الحرائق حتى تظل تسير في الصعاب لأن جُلَّ حياتها جهاد في جهاد لأنها تعتقد أن الحياة الحقة إنما هي حياة جهاد.

24/7/1968م