بسم الله الرحمن الرحيم

أعمال حمل الدعوة

في حياة الإنسان قضايا عديدة تملك عليه تفكيره، وتشغل وقته، ويظل يبذل طاقاته على مستويات مختلفة، من أجل القيام بأعباء هذه القضايا والوفاء بالتزاماتها.

وإذا تتبعنا هذه القضايا التي يقف عليها الإنسان حياته، لوجدنا أنها ذات أشكال مختلفة وحوافز متفاوتة، وهي متصلة اتصالاً وثيقاً بما عنده من غرائز وحاجات عضوية، ولذلك فإن اهتمام الناس يتفاوت تجاه قضاياهم بين شخص وآخر، وبين قضية وأخرى، وهذا التفاوت تابع أصلاً من اختلاف نظرة الناس لغرائزهم، فمنهم من يجعل حب البقاء هو الذي يسيطر على تصرفاته وأعماله واهتماماته، وربما تصل هذه السيطرة إلى حد تجاهل الغرائز الأخرى، ومنهم من يجعل لغريزة التدين السيطرة المطلقة على كافة غرائزه، فتجد المتدين الذي تدفعه غريزته، لا إدراكه، في تديّنه، مندفعاً في هذا التدين أيما اندفاع، ولا يبالي بغرائزه الأخرى. والحق أنه باستقراء الأحكام والقواعد الشرعية التي تنظم علاقات الناس يتبين أن اندفاع الإنسان لإشباع غريزة ما، ينبغي أن يكون على حساب غريزة أخرى، وهذا ينسجم تماماً مع متطلبات الحياة، غير أنه مع ذلك يجب أن يكون هناك سلّم الأولويات. صحيح أن الله سبحانه وتعالى قد فرض على المسلم القادر العمل لإعالة نفسه وإعالة من يعول، ولكن الصحيح أيضاً أن الله قد فرض على حامل الدعوة القيام بكل ما تستلزمه الدعوة منه، بل إن الدعوة تقتضي أن تكون لها السيادة على ما سواها. وقد وضع الله تعالى حمل الدعوة في رأس السلّم، إذ جعل العمل الأصلي للدولة الإسلامية هو حمل الدعوة، وكذلك جعله العمل الأصلي لكل مسلم، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله). وبديهي أن هذا القول يمثل حال رسول الله وهو رئيس دولة. أما القول الذي كان يمثل حالة قبل ذلك فهو ما خاطب به عمه أبا طالب عندما قال له: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أقضي دونه)، فالأعمال التي يقوم بها المسلم هي وسيلة لغاية واحدة، وهذه الغاية هي الدعوة إلى الإسلام، والدعوة إلى الإسلام لها مظاهر مختلفة، فمن أهم هذه المظاهر وأبرزها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد كرر القرآن الأمر عشرات المرات في سوره المختلفة، وقد جعله الله فرض عين في عنق كل مسلم، علاوة على جعله له فرضاً حين أوجب الله وجود تكتل سياسي ينهض بعبئه.

مما تقدم يتبين أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الإسلام أو لاستئناف الحياة الإسلامية كلها نتائج مقصودة في حمل الدعوة، فلا بد إذن من التلبس بأعمال معينة حتى يتأتى الوصول إلى النتائج المذكورة، وهي في أهميتها لا تقل عن أهمية النتائج نفسها, لأنه لا يمكن الوصول إليها بدون هذه الأعمال. وباستعراض هذه الأعمال يتبين أنها تربو على الحصر أو العدّ، غير أنه يمكن إجمالها في عدة نقاط هي:

أولاً- الالتزامات الإسلامية:

إنه وإن كان من المسلّم به أن من أهم الأمور عند حامل الدعوة هو التقيد التام بالالتزامات الإسلامية، وأنه لا معنى لحملة الدعوة إذا كان لا يلتزم التزاماً دقيقاً بالحلال والحرام، وأن يكون هذا أساس انضباطه وأساس عمله وأساس تفكيره، وهي أساس حياته كلها. ولا يقال هنا إنه لا معنى لهذا القول لحملة الدعوة، لا يقال ذلك، لأن من اوجب الواجبات على حامل الدعوة ليس الإحساس الصادق بالرغبة في الجنة، والخوف من النار، وبالتالي طلب رضوان الله فحسب، وإنما نقل هذا الإحساس عملياً وفكرياً إلى الناس من حوله، ولا يتأتى له ذلك إلا إذا ظهر عليه في تصرفاته وفي حديثه هذا الشعور الصادق والإحساس الحقّ بذلك كله فينتقل طبيعياً عن طريق العمل والفكر إلى الناس، فإذا وصل الشباب إلى هذا الشعور الصادق بطلب رضوان الله فقد وُجدت الخطوة الأولى نحو إيجاد أمّة يحركها الإحساس الصادق هذا ويدفعها لأن تضحي من أجل ذلك بالنفس والنفيس، فتصل إلى ما يجب أن تكون كأمّة إسلامية تنشر الهدى والخير والسعادة للعالم أجمع.

ثانياً- تلاوة القرآن الكريم:

غني عن البيان أن القرآن الكريم هو أساس هذا المبدأ الذي نفخر به على الدنيا كلها، وهو كلام الله المنزَّل والذي نتعبَّد به بألفاظه، وهو فوق ما في قراءته من ثواب عظيم فإنه خليق أن يشحذ الهمم ويعين النفوس التي وطّدت عزمها على العمل لإعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، إذ ليس هناك من هو أثقل عبئاً من حامل الدعوة، فأوْلى الناس بتلاوة القرآن هو حامل الدعوة، ففيه ما يشحن المؤمن بطاقة عجيبة تحيي موات النفوس لتجعل منها نفسيات تستسهل الصعب وتستهين بكل متع الحياة الدنيا من أجل الفوز بنعيم الجنة، بل من أجل الفوز برضوان الله عز وجل. ولماذا نذهب بعيداً، ونحن على يقين تام أن النصر إنما هو من عند الله، وأنه لا أمل لنا إلا به، فكيف بنا لا نحرص كل الحرص على التزود من معين القرآن الكريم، وتدبر معانيه والوقوف على مراميه. لهذا لا يتصور أن يكون علاج لحامل الدعوة الذي يحس في نفسه ضعفاً، خيراً من ترديد آيات الله مراراً وتكراراً، فالقرآن لا يخلَق على كثرة الرد مهما تقادم عليه العهد ومهما كثر المرددون. إن الفكرة الإسلامية فكرة تحمل كل معاني النضال والكفاح، بل لا يجوز فصلها عن الكفاح والنضال، وليس كالقرآن الكريم حافز على تحمل مسؤوليات الكفاح والنضال، لهذا فإن الأمّة الإسلامية منذ أن تفاعلت مع الفكرة الإسلامية وهي أمّة جهاد وتضحيات، وما ذلك إلا بفضل كتاب الله الخالد، فالتهاون في قراءة القرآن، لا يعني إلا شيئاً واحداً، هو نزول الفكرة الإسلامية عما ينبغي أن تكون عليه من سمو درجات التضحية والكفاح.

ثالثاً- الاتصال بالناس:

لا شك أن المظهر العام لحمل الدعوة هو الاتصال بالناس، فكيف يتأتى لنا أن نسمي أنفسنا حملة دعوة، دون أن نتصل بالناس ونقف على علاقاتهم الجارية. إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتصور القيام بهما دون أن نجد من نأمره أو ننهاه، ولا يتصور القيام بشرح أفكار الإسلام وأحكامه ونحن بمعزل عن الناس، فلا يكفي أن يطلق على حامل الدعوة بأنه حامل دعوة بمجرد انتمائه الحزبي، إذ أن الانتماء الحزبي إنما يخضع للقانون الإداري المسطر على الورق، بل إن الانتماء نفسه هو عمل إداري محض، فالعبرة هي فيما يقوم به حامل الدعوة من الاتصال بالجماهير والاستئناس بها، والاطلاع على أحوالها، ومعالجة أحاسيسها وتقويم أفكارها بأفكار الإسلام وأحكامه. وإن نعجب، فعجب من أولئك الذين عُرفوا معرفة تامة بمواقعهم في معركتهم الضارية مع الكفر وأنظمته، ومع ذلك فهم يغطّون في سبات عميق، ناسين أو متناسين أنهم يحاربون على خط الدفاع الأول. إننا لا نعرف في تاريخ الدعوة الإسلامية شخصاً اعتنق فكرة الإسلام وعاش في عزلة عن الناس، فأبو ذر الغفاري رضي الله عنه، يعتنق الفكرة الإسلامية، ويأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعودة إلى قومه فيأبى أن يخرج من مكة دون أن يهتف بالشهادتين على مسامع مشركي مكة، حيث لاقى من الأذى ما ينوء بحمله جبابرة الناس، وهو لم يعرف من الإسلام سوى الشهادتين. إن الإسلام مبدأ عالمي جماعي وليس مبدأ فردياً، مبدأ حياته الطبيعية هي في وسط الجماهير، وعلى صعيد الحكم، وفي نطاق العلاقات الدولية. أما أولئك الذين يريدون حصر الإسلام في ظلمات الزوايا والصوامع فإنما هم يسهمون مع الكفار وعملائهم، بقصد أو بغير قصد، من أجل عزل الإسلام عن الحياة العامة والعلاقات الجارية عزلاً لا تبقي له مسحة الإسلام. والحقيقة أن حزب التحرير هو أول تكتل سياسي وُجد على أساس الإسلام منذ عدة قرون، فالأمل معقود على نواصيه أن يَهَبَ الله للأمة الإسلامية النصر العظيم على يد هذا الحزب، وذلك لسبب بسيط وفي غاية الأهمية، وهو أن الحزب إنما يحمل الإسلام للجماهير ويهيئ الرأي العام على أساس من الوعي على أحكام الإسلام، فكل من يسير مع هذا الحزب يجب أن يسير معه في مراحله وخطواته، ويجب أن تنمّى فيه الروح الجماعية، ويكفي لذلك أخذ الفكرة الإسلامية أخذاً صحيحاً، أما إذا بقي الشاب يضرب على نفسه نطاقاً من العزلة عن الناس فليس لذلك من معنى إلا أنه لم يأخذ الفكرة الأخذ الصحيح، لأن العزلة في الواقع إنما هي مزيج من الجبن واليأس، وبعبارة أخرى، فقد يكون سبب العزلة هو الجبن، وقد يكون سببه هو اليأس، والمؤمن لا يمكن أن يعرف أيٍ من الجبن أو اليأس إلى قلبه سبيلاً. أما ما يُتوهّم من أسباب أخرى فإنما هي معاذير أكثر من كونها أسباباً، ومن يكثر اعتذاره فقد يكثر كذبه والعياذ بالله. فلا عذر لحامل الدعوة بعد أن وضح الحزب أفكار الإسلام توضيحاً شافياً، أن يجعل هذه الأفكار وقفاً عليه ولا ينقلها للآخرين.

رابعاً- المطالعة:

ونعني بالمطالعة، مطالعة الكتب التي تحوي الثقافة الحزبية والكتب التي تحوي الثقافة العامة، فقهية كانت أو فكرية أو سياسية، ولعل سائلاً يسأل: إذا كان الحزب قد وضع ثقافته ضمن كتب تبناها أو أصدرها، والشاب يتبنى ما يتبناه الحزب، فلماذا نُعني أنفسنا بالبحث والتنقيب في الكتب الأخرى؟ وجواب ذلك أننا ملتزمون فعلاً بالدعوة للأفكار التي تبنيناها، ولسنا ملتزمين بغير ذلك، ولكننا من ناحية أخرى ندرك أن الكتب التي تبناها الحزب أو أصدرها على عمقها واستنارتها لا تعدو أن تكون أحكاماً على وقائع، فلا يجوز الاقتصار على حفظ الأحكام وسردها فقط، لأنه لا يتأتى فصلها عن الوقائع التي تطبّق عليها. نعم، إن الحزب يشرح بعض الوقائع في كتبه، ولكنه كان شرحاً مقتضباً يفي بإبراز الحكم، غير أن هذا الشرح غير كافٍ لفهم الوقائع على حقيقتها. فالكتب الأخرى هي التي تمثل الوقائع، فلا بد من الرجوع إليها ومطالعتها حتى يكون إدراكنا للثقافة الحزبية إدراكاً واعياً لا يمكن أن يكون في مهب الرياح، ولذلك فإن الشاب الذي يُكثر من المطالعة والبحث يبقى أكثر فهماً وإدراكاً لأفكار الحزب وثقافته.

ومن ناحية أخرى، فإن من يحرص على التأثير بالناس لا بد أن يكون لديه وعي كاف لما عندهم من أفكار وآراء ومذاهب، فلا نعدو الحقيقة عندما نقول إن الشاب الذي نال حظاً أوفر من الاطلاع والدراسة، لديه القدرة على أن يؤثر في أفكار الناس وعلاقاتهم. فمثلاً: عندما نقول إن نظام الخلافة هو نظام متميز لا يشبه أي نظام، ولا يشبهه أي نظام، وهو وحده الذي يصلِح أوضاع الناس، لأنه نظام أنزله من هو أدرى بالإنسان من الإنسان نفسه، ألا وهو الله تعالى، ونقول أيضاً: أما النظام الديمقراطي فهو نظام لا يُسعد البشرية، بل هو وغيره من الأنظمة الأخرى الباعث على قلقها وعدم استقرارها، لأن هذه الأنظمة هي أنظمة كفر، أي أنها من وضع البشر أنفسهم، والإنسان ليس في مقدوره أن يضع نظاماً لنفسه، فكيف يضعه ليطبقه على الآخرين، اللهم إلا بالحديد والنار. عندما نقول هذا القول فإنما نكتفي بالثقافة الحزبية ويبقى هذا الفهم أقرب إلى الفهم النظري منه إلى الفهم العملي. وما يجعله فهماً عملياً مؤثراً متصلاً بالعقل والقلب معاً هو دراستنا لأنظمة الكفر وللنظام الديمقراطي بالذات، حتى يتاح لنا الوقوف عملياً على فساد هذه الأنظمة وعدم قدرتها على إسعاد من يكتوون بنارها، ومحل هذه الدراسة هي الكتب التي تتحدث عن الأنظمة السياسية السائدة في العالم، فكتب الحزب تصدر حكمها فقط على هذه الأنظمة ولكنها لا تشخص واقعها تشخيصاً كافياً لفهم دقائقها وتفاصيلها. وقُل الشيء نفسه فيما تبناه الحزب من أحكام شرعية كانت موضع اختلاف المجتهدين والفقهاء، فدراسة أدلة هؤلاء المجتهدين والفقهاء للتحقق من مدى دلالتها تعزز الثقة بما استند الحزب إليه من أدلة، ومحل هذه الدراسة هو كتب الفقهاء المعتبَرين، وهكذا يمكن أن يؤتى بعشرات الأمثلة للدلالة على أن حامل الدعوة لا غنى له عن الاطلاع على الكتب الأخرى، سياسية كانت أو فكرية، فضلاً عن الكتب التي أصدرها الحزب. نحن لا نريد أن نقول بأن المطالعة توسع المدارك وتنمي العقليات، ولا نريد أن نقول إن المطالعة تضع قدم صاحبها على أولى خطوات الوعي السياسي، ولكن ما نريد قوله هو أن حمل الدعوة لا يمكن أن يتم بصورة مؤثرة وناجعة إلا بالاطلاع والدراسة.

خامساً- التتبع:

ونعني بالتتبع ملاحقة الحوادث الجارية والأخبار اليومية، فهو أمر يختلف عن المطالعة، وإن كان له بها علاقة. إذ إن التتبع على وجه التحديد يشمل قراءة الصحف وقراءة المجلات السياسية، وسماع الأخبار، وغير ذلك مما هو من جنسها. إن متابعة الأخبار هي ألف باء السياسة، فلا سياسة بدونها، وعندما نقول المتابعة أو التتبع فإنما نعني مدلول الكلمة بالذات، فمدلولها هو الاستمرار والمثابرة وعدم الانقطاع ولو ليوم واحد، إذ الأحداث اليومية مسلسل طويل يأخذ بعضه برقاب البعض الآخر، فلا بد من متابعة هذا المسلسل الطويل حتى يتم إحسان فهم الأخبار والحوادث، وذلك لكي يكون في مقدورنا أن نحكم عليها حكماً صادقاً. لسنا هنا بصدد شرح أهمية العمل السياسي وأثره في إيجاد الفكرة الإسلامية في معترك التطبيق والعلاقات، لأنه من المفروض أن نكون قد تجاوزنا مرحلة فهم أهمية العمل السياسي إلى مرحلة التلبس به والقيام بتبعاته، ولكن ما نحن في صدده هو إدراك أهمية ملاحقة الأخبار والحوادث في العمل السياسي. لا شك أن تحليل هذه الأخبار هو أمر مهم، وإعطاء الرأي بشأنها هو أمر أهم، وربط الرأي بوجهة النظر الإسلامية هو أكثر أهمية، ولكن كل هذا وذاك يعتمد اعتماداً وثيقاً على ملاحقة الأخبار والحوادث اليومية. إن الأحداث لا تنتظر من يتتبعها، فهي تجري، وتترك آثارها ولو لم يتتبعها متابع، إذ يجب أن نتلقى الأحداث أولاً بأول، ولنحرص ألا يفوتنا حدث واحد دون أن نعرفه ونمحصه. ولعمر الحق، كيف يستطيع من لا يحسن متابعة الأحداث وملاحقتها أن يقوم بصنع الأحداث في المستقبل الذي نطمع أن يكون قريباً بإذن الله؟ إن المتابعة تجعل صاحبها يعيش مع الأحداث، بل تجعل منه إنساناً نابضاً بالحياة، لأنه يستطيع العيش في قلب المجتمع فيستحوذ على اهتمام الناس، فيتمكن بالتالي من استقطابهم وتسلم زمام قيادتهم. ولا يقال هنا: هل تكفي صحيفة محلية يومية لمتابعة الأحداث أو سماع نشرة إخبارية في اليوم الواحد وهكذا، إذ لا ينبغي أن يُسأل مثل هذا السؤال، لأن العبرة هي تلقي الأخبار من مظانها بغض النظر عما إذا كان مصدرها صحيفة أو اذاعة، فقد أتابع صحيفة يومية فلا تفي بغرض المتابعة، إذ لا تغني الصحيفة في كثير من الأحيان عن سماع النشرات الإذاعية، وقد يكون العكس صحيحاً كذلك، فالموضوع المهم ألا تمر الأحداث علينا مرور الكرام دون أن نحاط بها علماً على أقل تقدير.

سادساً- الالتزامات الحزبية:

ونعني بالالتزامات الحزبية تلك الأعمال التي تحافظ على وجود الشاب كشخص يعيش في رحاب الحزب، وهي تشكل الحد الأدنى من الأعمال التي ينبغي لحامل الدعوة أن يقوم بها حتى يظل في الحزب. وهي لذلك لا تفي بغرض حمل الدعوة، إذ أن الاقتصار عليها يجعل الشاب نهباً للضعف والتآكل وربما السقوط، فهي إذن عبارة عن الخيط الرفيع الذي يربط الشاب بالحزب. والأعمال الحزبية هي الحلقة الأسبوعية والشهرية وزيارة واحدة في الأسبوع وتوزيع النشرة، ومع أن الاقتصار عليها يضر ولا ينفع، فإن التهاون بها يعني قطع آخر شعرة مع الدعوة، أي أن التهاون في الحلقة الأسبوعية أو عدم القيام ولو بزيارة واحدة في المنطقة أسبوعياً، أو الامتناع عن توزيع النشرة، فإن هذا لا يعني إلا شيئاً واحداً، وهو التخلي عن حمل الدعوة، بل وعن الحزب بالذات، ولا يُغرّنّ من يتهاون بأي من هذه الأعمال أن الحزب لم يتخذ بحقه إجراء ما، فإن المسؤولين في الحزب قد يغفلون عن محاسبة المقصرين والمتقاعسين، ولكن عين الله سبحانه وتعالى لا تغفل ولا تنام، وقد يقتنع المسؤول بأسباب التقصير ولكن الله يعلم السرائر وما تخفي الصدور.

هذه الأمور الستة: الالتزامات الإسلامية، وتلاوة القرآن، والاتصال بالناس، والمطالعة، وتتبع الأخبار، والالتزامات الحزبية، لا بد من بذل العناية الكافية للنهوض بحملها حتى ينطبق على الشاب وصف حامل الدعوة، وليست مسألة القيام بها بالمسألة العصيبة المستعصية، وهي لا تستدعي من الشاب أن يتحلل من أعماله الدنيوية حتى يحسن القيام بها. وإذا كان الحزب قد أعطى مؤشراً زمنياً للقيام بهذه الأعمال، فلم يقصد من ذلك أن يقلص الشاب من ساعات عمله ليخلد بعد ذلك إلى الراحة والدَعة، بل قُصد من ذلك أن يقوم كل شاب بعينه بهذه الأعمال ويحمل نفسه عليها ويقسرها قسراً. والقضية كلها تتلخص في سؤال واحد محدد: هل جعلنا الدعوة فعلاً حجر الزاوية في حياتنا واهتماماتنا؟ فإن مَن جَعل الدعوة محور عمله وتفكيره لن تعييه الحيلة للقيام بهذه التبعات، أما من لم يجعل الدعوة مركز تنبهه واهتمامه، فلا شك أن الدنيا لن تتسع له، وسيلهي نفسه بأتفه المعاذير، ويظل هكذا ديدنه حتى يسقط صريع الدنيا ونعيمها الزائل.

جعلنا الله ممن يحملون أمانته فيؤدونها خير أداء، إنه سميع مجيب.

آميـــن

2/8/1975