بسم الله الرحمن الرحيم

الوقائع التي تدل على ما جاء في نشرة الخطاب والفقرة السادسة من قطعةٍ من كتاب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

فإني قد أعَدْتُ دراسة نشرة الخطاب والفقرة السادسة من نشرة قطعة من كتاب، وقد دار بخلدي بعد دراستهما أن أرسل إليك هذه الرسالة لأنقل إليك الانطباعات التي حصلت من الوقائع التي تدلان عليها حين قرنتُ معانيها بالواقع الخارجي الذي تدل عليه. ففي نشرة الخطاب يقول: فلا بد أن يكون للسير فيها مستهدفاً الحكم استهدافاً مباشراً والأعمال التي تحصل فيها تؤدي إلى أخذ السلطة. وحين قرأتها انتقلت إلى الخارج لأرى واقع الأعمال التي بها تؤخذ السلطة أخذاً طبيعياً فوجدت أن البلدان التي تنقل السلطة فيها من أشخاص عن طريق الأمة يقوم الأشخاص الذين يستهدفون الحكم استهدافاً مباشراً بثلاثة أعمال:

1- مهاجمة الحكام الوزارة أو رئيس الجمهورية بنقد أعمالهم بالأسلوب اللاذع وبغير الأسلوب اللاذع.

2- بتنفير الرجال الذين يؤيدون الحاكم منه ومن أعماله وتنفير الناس بشكل عام منه ومن أعماله لينفضوا من حوله.

3- جمع رجال لهم وزنهم حولهم أي حول الذين يريدون أخذ السلطة، وجمع الناس بشكل عام حولهم، ففي بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية تجد أن الحزب الديمقراطي كان يهاجم ايزنهاور بالأسلوب اللاذع، وكان ينقد أعماله ويحصي عليه أنفاسه، ومع أنه لم يستطع في المرة الأولى أن يزحزحه، فإنه في المرة الثانية زحزح الحزب عن الحكم واستلم الحكم منه، وكان لا يترك فرصة إلا وينفّر الناس منه، فكان يصفه بأنه البطة العرجاء، وأنه يعيش على ماضيه العسكري، وأمثال ذلك، وكان كذلك ينقد أعماله لا سيما ما يتعلق منها في السياسة الخارجية، وإلى جانب هذا كان يتصل بالرجال الذين يؤيدونه مثل أصحاب المصانع ومن نقابات العمال ومثل بعض كبار ضباط الجيش ومثل زعماء اليهود لينفرهم منه حتى ينفضوا عنه، ولأن يكسبوهم إلى جانبهم، وكانوا يحاولون كسب رجال من أصحاب المصانع ومن نقابات العمال ومن زعماء اليهود إلى جانبهم. وكذلك في إنجلترا بين حزب العمال وبين المحافظين. ومثلها الحال في فرنسا، فإن خصوم ديغول لا ينفكون يهاجمونه ويحاولون تنفير الرجال الذين حوله وتنفير الناس منه، ومحاولة جمع الرجال حولهم وجمع الجماهير حولهم، وحتى في البلاد التي تتشبه بمن ينتقل الحكم عندهم من يد إلى يد انتقالاً طبيعياً تسير كذلك على هذا المنوال فيقوم الذين يستهدِفون استلام السلطة استهدافاً مباشراً بهذه الأعمال الثلاثة، فها هو صائب سلام لا يترك فرصة إلا ويهاجم فيها رشيد كرامي، ويذهب إلى طرابلس للاتصال بالرجال الذي يؤيدون كرامي ليساومهم وينفرهم، وإلى جانب ذلك يحاول كسب المقاومة الشعبية وكسب ......... لأجل أن يضغط لإسقاط الوزارة ليأخذ هو الحكم. فهذه الوقائع وغيرها تجعل المرء يضع إصبعه على واقع الأعمال التي تؤدي إلى أخذ السلطة وهي هذه الأعمال الثلاثة إلى جانب أعمال ثانوية أخرى.

وبعد أن انتهيت من استعراض هذه الوقائع، سرتُ في قراءة نشرة الخطاب فإذا هي تقول: "إذ أنه يجعل من المحتم على الأمة حين تفهم أفكار الحزب لتكون أفكارها أن تُظهر رأيها في هذه الأفكار إما بالتأييد أو المعارضة، وفي كلتا الحالتين يحصل التفاعل". وهنا اختلط عليّ الأمر وسألت نفسي كيف يحصل من المعارضة مضاعفة، فقد رمى عشرات الأطنان من الورق إن لم يكن مئات الأطنان منشورات في شوارعه ولا سيما شوارع بيروت وطرابلس وتبنى فيه عشرات المصالح وهز كل شخص فيه هزاً عنيفاً في مسائل بالغة الحساسية وتابع بدأب متواصل عدة سنوات حتى لم يبق بيت تقريباً في مدنه وقراه إلا وقد سمع عن الحزب وعرف غايته وأفكاره، ومع ذلك لم يتجاوب معه، فكيف نقول إن المعارضة تفاعل؟ ولهذا وقفتُ أعيد ربط هذا الواقع في مدلول الجملة إلى أن كُشف لي أن التفاعل هو العملية التي تحصل من تصادم الأفكار فيؤدي إلى الاستجابة بشكل نهائي أو إلى الرفض بشكل نهائي. فالتفاعل هو نفس العملية وليس هو الاستجابة، لأن الاستجابة نتيجة التفاعل وليست هي التفاعل. على أن لبنان لا يصلح مثلاً على عدم الاستجابة، فإن الأمل لا يزال موجوداً فيه، وهو لأنه تكثر فيه الثقافة الأجنبية أكثر صعوبة من بلد آخر مثل الخليل، ولهذا لا يصلح مثلاً على عدم الاستجابة، فأدركتُ حينئذ أني أخطأت في فهم مدلول التفاعل وأخطأت في فهم الأمر الخارج الذي انتقل إليه ذهني، وظننت أن المعارضة تحصل فيها عملية التفاعل كالتأييد، فكل منهما يحصل فيه تناقل أفكار بالقبول أو الاصطدام.

ثم سرتُ في قراءة النشرة، فإذا هي تقول: "فإن السلطة هي رعاية مصالح الناس" فقرأتها وانتقل ذهني إلى الخارج لأرى واقع السلطة فرأيت أن رؤية كونها رعاية شؤون الناس ليس بالسهل، بل يحتاج إلى إمعان نظر، لأنه يتبادر إلى الأذهان أن السلطة هي القوة، ويختلط الأمر على الرأي بين القوة تنفذ وبين السلطة، فيرى القوة لأنها شيء محسوس يدرَك بسهولة، ولا يرى السلطة بسهولة لأنها شيء يدرك إدراكاً وتحس آثاره. ولكنه حين يمعن النظر يرى أن الجيش قوة وليس سلطة وأن الشرطة قوة وليست سلطة لأن كلاً منهما ينفّذ، ولكن الوالي يصرّف شؤون الناس ويرعى مصالحهم وهو نفسه ليس قوة بخلاف الجيش والشرطة، فنفسه قوة، ومع ذلك فالوالي هو السلطة وليس الجيش ولا الشرطة، والذي جعله سلطة هو رعاية شؤون الناس وتصريف مصالحهم والتصرف بأمورهم ومقدّراتهم. فالذي جعله سلطة هو تصرفه بأمور الناس ومقدّراتهم أي رعايته لمصالحهم وشؤونهم. فالناس تنشأ بينهم علاقات فيقومون هم برعاية شؤون أنفسهم ولكن تحصل بينهم أثناء قيامهم بأمورهم وأثناء إنشاء العلاقات أمور من اختلاف أو تضارب أو تنازع أو ما شاكل ذلك، فلا بد ممن يفصل بينهم هذه الأمور ويساعد العاجز ويأخذ على يد القوي وينصِف الضعيف، فهذا الذي يقوم بذلك هو السلطة، سواء أقاموه هم أو فرض نفسه عليهم، فالسلطة هي هذه الرعاية للشؤون. أمّا أنه لا بد للسلطة من قوة، فذلك صحيح، ولكنها ليست هي السلطة بل هي أداة للتنفيذ، وقد يُحتاج إليها وقد لا يُحتاج إليها، فقد ينفذ بقوته مجموع الناس ولا يخالف أحد له أمراً، وقد يحتاج إلى قوة تنفذ، ولكن على أي حال السلطة هي نفس رعاية الشؤون أي التصرف في مقدّرات الناس، فإذا وُجد هذا التصرف أي رعاية الشؤون فقد وُجدت السلطة سواء أكانت بيدها قوة تنفذ أم كان التنفيذ بهيبة صاحب السلطة أو بهيبة مجموع الناس وقوتهم، وبهذا يشاهَد أن رئاسة الدولة سلطة، وأن ولاية الوالي سلطة، لأن كل منهما تصرف في مصالح الناس، ولكن الجيش والشرطة ليست أي منهما سلطة ولو كان قوة، لأنه لا يملك التصرف في مصالح الناس ورعاية شؤونهم، وكذلك القاضي ليس سلطة لأنه لا يتصرف بمصالح الناس وإنما يُخبِر بالحكم على سبيل الإلزام، فهو مخبِر بالحكم ولو كان إلزاماً وليس متصرفاً في مصالح الناس.

ثم مضيتُ في قراءة النشرة فإذا هي تقول: "فالنظرة إلى الحياة هي الأساس في النظرة إلى المصالح وهي الأساس في أخذ السلطة". وما أن انتهيت من قراءة هذا الكلام حتى تبادر إلى ذهني سؤال كيف تكون النظرة إلى الحياة الأساس في أخذ السلطة؟ فقد انتقلتُ إلى الخارج فوجدت أن جميع الذين أخذوا السلطة في البلدان القائمة في آسيا وإفريقية لم يجعل أحد منهم النظرة إلى الحياة أساساً لأخذ السلطة، بل جرى أخذ السلطة على أساس القوة، وأيضاً فإن المسلمين في مصر والعراق وسورية نظرتهم إلى الحياة هي الإسلام، والسلطة أُخذَت على عكس هذا الأساس، فقد أُخذت على أساس فصل الدين عن الدولة، فكيف يقال إن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة؟ هذا هو الإشكال الذي يحصل حين ينتقل الذهن إلى الخارج بعد قراءة جملة أن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة، ولكن المرء حين يمعن النظر يُحَل لديه هذا الإشكال، فإنه ثبت بما لا يجعل مجالاً للشك أن السلطة هي التصرف في مصالح الناس، ومصالح الناس هي قطعاً حسب وجهة نظرهم في الحياة، فما يرونه من أعمال أو أشياء مصلحة لهم يعتبرونه مصلحة، وما لا يرونه مصلحة يرفضون أن يعتبروه مصلحة، فالمصلحة إنما تكون من حيث النظر إليها لا من حيث واقعها فقط. فالاستشهاد يُرى أنه مصلحة مع أنه موت، والربا عند المسلم لا يُرى أنه مصلحة مع أنه كسب مال. فالمصالح هي قطعاً حسب وجهة النظر في الحياة، فمن يريد أن يأخذ السلطة إنما يعني أنه يريد التصرف في مصالح الناس، فلا بد أن يأخذ هو وجهة نظر الناس وحينئذ يتصرف في مصالحهم حسب وجهة نظرهم، وإما أن يعطيهم وجهة نظره في الحياة فيقنعهم بها ثم يتصرف في مصالحهم، وفي كلتا الحالتين إنما جعل النظرة إلى الحياة أساساً في أخذ التصرف في مصالح الناس، أي أساساً في أخذ السلطة، وعليه فإن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة سواء في نقل السلطة من حاكم لحاكم في حال أخذ الحاكم نظرة الأمة إلى الحياة نظرة له، أو في نقل السلطة من حال إلى حال أي تحويل السلطة في حالة أخذ الأمة وجهة نظر من يريد أن يحكمها وجعل نظرته إلى الحياة نظرة لها. فالنظرة إلى المصالح باعتبارها مصالح هي الأساس في أخذ السلطة، وبما أن النظرة إلى المصالح أساس النظرة إلى الحياة، فتكون النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة.

أما ما هو واقعٌ في الدول القائمة في آسيا وإفريقيا من جعل القوة هي الأساس في أخذ السلطة، فإن ذلك لا يدل على أن القوة هي الأساس في أخذ السلطة، وذلك لأن هؤلاء جميعاً قد اتخذوا نظرة الشعب إلى الحياة نظرة لهم فأخذوا السلطة على أساس أن يتصرفوا في مصالح الناس حسب ما يراها الشعب مصالح، حتى ولو كان الحاكم لا يرى ذلك، ومن ثم أن أكثرهم قد استعان بقوة أقوى مادياً وفكرياً من قوة الشعب باستعانته بنفوذ الدول الكبرى، وبذلك استطاع أن يتغلب على الشعب ويأخذ السلطة، ولذلك لا يُجعل عملهم دليلاً على جعل القوة أساساً لأخذ السلطة لأنهم قد جعلوا نظرة الأمة إلى الحياة أمراً أساسياً واستعانوا بقوة أقوى من الأمة مادياً وفكرياً، والكلام هو في أخذ الحكم بقوة الأمة وسلطانها لا بقوة خارجية. ومن هنا لا ينقض هذا العمل قاعدة أن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة علاوة على أن الكلام إنما هو في أخذ السلطة أخذاً طبيعياً ودائمياً. وما حصل في آسيا وإفريقية هو أخذ السلطة بشكل غير طبيعي وهو على الغالب مؤقت، إلا أن تُسلِّم الأمة به لقناعتها بأنه جاعل نظرتها إلى الحياة أساساً للتصرف في مصالحها.

ومضيت في قراءة الخطاب فوجدته يقول: "فالأفكار المعيّنة عن الحياة التي تتمثل في مجموعة من المفاهيم والمقاييس والقناعات هي الأساس في تحويل السلطة وتقبّل الأمة لهذه المجموعة من المقاييس والقناعات، ولو إجمالاً، هو الذي يوجِد الدولة ويحوّل السلطان فيها". وقد انتقل ذهني إلى الخارج فوجدتُ أن وقائع الحياة، تاريخها وواقعها، يقيم البرهان القطعي على صحة هذا الكلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطى أهل المدينة أفكاراً معينة عن الحياة وتقبّلها أهل المدينة فأوجدت هذه الأفكار السلطة للرسول وحوّلت السلطة في المدينة، وفي أوروبا حين وجُدت فكرة فصل الدين عن الدولة وفكرة الحريات أخذت تتفاعل، وأي أمّة قبلتها تحوّل السلطات فيها، ونجد الأحزاب السياسية اليوم في أوروبا وأمريكا تتبنى أفكاراً وتبثها للأمّة وكل حزب تتقبل الأمة أفكاره

"منقولة عن نشرة أصلية ناقصة"