بسم الله الرحمن الرحيم
التأسي بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم في حمل الدعوة
1- فِعْلُ الرسول صلى الله عليه وسلم هو مثل أمره عليه السلام يدل على مجرد الطلب، ولا يدل على وجوبٍ ولا على ندب ولا على إباحة، والقرينة هي التي تعيِّن إذا كان الفعل من الرسول يدل على الوجوب أو الندب أو الإباحة. فإذن مجرد الفعل وحده إنما يدل على الطلب وليس على غيره، والقرينة هي التي تعيِّن نوع الطلب.
وأفعال الرسول التي نحن مأمورون باتباعه فيها قسمان: أحدهما أن تكون بياناً لخطاب سابق وهذه تأخذ حكم الخطاب الذي بينته فإن كان المبيَّن فرضاً كان القيام بها فرضاً، وإن كان المبيَّن مندوباً كان القيام بها مندوباً، وإن كان المبيَّن مباحاً كان القيام بها مباحاً. القسم الثاني: ما لم يكن بياناً لخطاب سابق، وهذا يحتاج إلى قرينة حتى يُعلم ما إذا كان الفعل واجباً أو مندوباً أو مباحاً، وعلى هذا فالمسألة كلها في أفعال الرسول عليه السلام تأخذ ناحيتين: إحداهما اتباعه، والثانية القيام بالفعل. أما اتباعه فواجب لا خلاف في ذلك، للأدلة الكثيرة الدالة على الوجوب من الكتاب والسنّة وإجماع الصحابة. وأما القيام بالفعل فهو محل للتفصيل، والرسول صلى الله عليه وسلم حمل الدعوة وأقام الدولة واتبع طريقة معينة، وقام بأفعال معينة في كل من حمل الدعوة وإقامة الدولة، فلا كلام في وجوب اتباعه في الطريقة كلها وفي كل فعل من أفعاله عليه السلام، ولا خلاف في ذلك بين المسلمين. أما القيام بالأفعال التي قام بها أثناء حمله للدعوة وأثناء إقامته لدولة فيحتاج إلى معرفة كل فعل منها إلى قرينة تعيّن كونه واجباً أو مندوبا أو مباحاً، فمثلاً القيام بالتـثـقيف فعَله الرسول صلى الله عليه وسلم وأرسل من يثقف، وقيام الشخص أو الكتلة بأي عمل من الأعمال يجب أن يكون حسب الحكم الشرعي، فهذا قرينة على أن القيام بالتثـقيف فرض، فيكون فعل الرسول عليه السلام هنا، وهو قيامه بالتثقيف، دليل الفرضية لأنه قد دلت القرينة على أن القيام به فرض، فهو لمعرفة ما يلزم للشخص في معترك الحياة فرض عين وهو لحمل الدعوة للناس فرض كفاية. ومثلاً القيام بالكفاح وهو مهاجمة ما عليه الحكام والناس بالأسلوب اللاذع وبشدة وقسوة قام به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهناك عدة آيات وأحاديث كثيرة تدل عليه، من ذلك قوله تعالى: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون)، (هماز مشاء بنميم)، (عُتُلّ بعد ذلك زنيم)، (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون)، (لعنة الله على الكاذبين)، (إن المجرمين في ضلال وسُعُر)، (إن الله لعن الكافرين)، (لعنهم الله بكفرهم)، (ملعونين أينما ثقفوا)، (تبت يدا أبي لهب وتب)، (إن شانئك هو الأبتر)، ومن ذلك قوله عليه السلام: (من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه على هن أبيه ولا تكنوا)، أي قولوا له عض أيسر أبيك وقولوها باللفظ الصريح دون كناية وقوله عليه السلام: (اذهب وامصص بظر اللات)، فهذا كله يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قام بالكفاح السياسي، أي هاجم الكفار بالأسلوب اللاذع وبشدة وقوة، وكون الرسول تحمَّل الكفاح ولم يتركه، وكان الكفار يريدون أن لا يسب آلهتهم فلا يتعرضون له، قال تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون)، فإن هذا قرينة على أن هذا الكفاح لإقامة دين الإسلام فرض، ويؤيد ذلك أن قريشاً حين ذهبت لأبي طالب فطلبت منه أن يكف الرسول عنها إنما طلبت أن يكف الرسول عن سب آلهتها، فقد قالت له: (يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفّه أحلامنا وضلّل آباءنا، فإما أن تكفّه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه)، وقالت له مرة أخرى: (وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آباءنا وسفه أحلامنا وعيب آلهتنا)، وقد كان جواب الرسول قولته المشهورة: (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته)، والأمر هو الدعوة بطريقة الكفاح من شتم آباء الكفار وسب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، فهو قرينة على أن هذا الفعل من الرسول فرض وهو دليل على أن الكفاح فرض. ومثلاً كون الرسول لم يقم بالكفاح إلا بعد أن خرج في كتلته من المرحلة السرية إلى المرحلة العلنية أي إلا في مرحلة التفاعل، دليل على أن الكفاح إنما يكون في المرحلة الثانية، وليس الدليل كونه لم يقم بالمرحلة الأولى، بل هو الدليل أن الاقتداء هو أن يكون الفعل الذي يقتدى به، هو مثل ما فعله الرسول تمام المماثلة. لأن التأسي هو أن تفعل مثل فعله على وجهه من أجل فعله، وكلمة على وجهه شرط في التأسي والوجه الذي فعله الرسول عليه السلام، هو أنه لم يبدأ في سب آلهتهم إلا في المرحلة الثانية واقتصر في هذه المرحلة على مهاجمة الكفار وكفرهم بالقول أي على الكفاح فلم يقم بالقتال، وكذلك كان يرى الناس يقيمون علاقاتهم حسب أحكام الكفر، وحتى المسلمون كانت علاقاتهم مع الكفار حسب ما كانت عليه الجاهلية، ولم يطبق الأحكام في العلاقات على المسلمين ولا على غيرهم، فهذا الوجه الذي قام به الرسول هو الذي يكون الاقتداء بحسبه، ولهذا يقتدى بالرسول في موضوع الكفار فلا يقام به إلا في مرحلة التفاعل ليس لأن الإسلام لم يقم به قبلها بل لأن الرسول إنما قام به فيها، والاقتداء يكون على وجه الفعل، وكذلك لا يقام في مرحلة التفاعل بالقتال، ولا يقام بها في التطبيق ليس لأن الرسول لم يقاتل ولم يطبق بل لأن فعل الرسول في هذه المرحلة الذي طلب فيها الاقتداء به، إنما يقام به على الوجه الذي قام به الرسول حتى يصح أن يكون اقتداءً، فالاقتداء له ثلاثة شروط لا يتم إلا بها، وهي أن تفعل مثل فعله، على وجهه من أجل فعله، فعدم فعل الرسول للكفاح في مرحلة الثقافة لا يدل على حرمة القيام به، ولكن القيام بالكفاح اقتداء بالرسول إنما على الوجه الذي قام به، وقد قام به في حال معينة لا في غيرها أي على وجه فعله.
وهكذا جميع أفعال الرسول التي قام بها في حمل الدعوة وجميع أفعاله التي قام بها لإقامة الدولة يجب الاقتداء به فيها. أما القيام بكل فعل بعينه فإنه يتوقف على القرينة، فإن كانت القرينة تدل على الفرض مثل التـثـقيف والكفاح يكون القيام بها فرضاً. هذا من حيث وجوب الاتباع؛ أي التقيد بالطريقة، ومن حيث القيام بكل فعل بعينه، أما من حيث كيفية الاتباع فإنه لا بد أن يُقام بمثل فعله عليه السلام تمام المماثلة، وأن يكون على وجهه حتى يكون اتباعاً أي تأسياً بالرسول.
2- إن الكفاح للكفر ولأحكام الكفر وكذلك للمنكر هو الفرض، أما نوع هذا الكفاح -وهو كونه مهاجمة أعمال الحكام من حيث رعاية الشؤون وهو ما يسمى بالكفاح السياسي، أو مهاجمة أعمال الناس أو أفكار الكفر أو غير ذلك- فإنه من المباحات، إذ جاء الأمر بالكفاح عاماً، وتُرِك لكل شخص أن يقوم به بالكيفية التي يراها.
3- إن أفعال الرسول واجبة الاتباع سواء أكان فعلها قبل الهجرة أو بعدها، وكذلك كل نص تشريعي من كتاب أو سنّة لا فرق فيه بين ما كان قبل الهجرة أو بعدها، ولذلك لا يُقال إن ما فعله الرسول قبل إقامة الدولة يؤخذ به قبل إقامة الدولة وما قام به بعد إقامة الدولة يُعمَل به بعد إقامة الدولة، فإن هذا بالنسبة للمسلمين الذين كانوا أيام الرسول مكلفين بما نزل من الدين لا بما لم ينزل، أما بعد أن أكمل الله الدين فإن التكليف صار عاماً بكل أحكام الدين دون فرق بين ما نزل قبل الهجرة؛ أي قبل إقامة الدولة، وبين ما نزل بعدها، فحمل الدعوة والكفاح في سبيلها كان مكلفاً به الرسول صلى الله عليه وسلم وحده قبل الهجرة ولم يكن مكلفاً به المسلمون في ذلك الوقت لأنه كان تبليغاً للرسالة، قال تعالى: (وأوحيَ إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)؛ أي وأنذر من بلغ ولم يقل لتنذروا من بلغ، وقال تعالى: (يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك)، فالمأمور بالتبليغ إنما كان الرسول وليس المسلمين، وكذلك الكفاح إنما كان مكلفاً به الرسول وليس المسلمين، ولكن بعد الهجرة قد كُلِّف المسلمون بحمل الدعوة وبالكفاح، قال عليه السلام: (نضر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها)، وقال عليه السلام: (ليبلِّغ الشاهد الغائب)، وقال: (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان) قالها جواباً على قولهم عن الحكام: (أفلا ننابذهم)، فيكون فعل الرسول الذي كان مكلفاً به قبل الهجرة من حمل الدعوة والكفاح أصبح واجب الاقتداء به ما دام قد جاء النص بتكليف المسلمين به. فلا يقال إن هذا كان قبل الهجرة ولم نكن مكلفين به، فإن ذلك إنما كان بالنسبة للمسلمين الذين كانوا مع الرسول قبل الهجرة، أما بعد أن كمل الدين فإن المسلمين مكلفون بالاقتداء بكل أعمال الرسول سواء أكانت قبل الهجرة أما بعد أن كمل الدين فإن المسلمين مكلفون بالاقتداء بكل أعمال الرسول سواء أكانت قبل الهجرة أو بعد الهجرة لأن الآية تقول: (ولكم في رسول الله أسوة حسنة) عامة، ولأن بعض الأحكام قد جاء علاوة عليها ذلك نص بالتكليف بها بعينها مثل حمل الدعوة والكفاح في سبيلها، وحتى لو لم يأت تكليف بها فإنه بعد نزول الآية: (ولكم في رسول الله) صار اتباع رسول الله فيها واجباً إلا أن تكون من خصوصياته أو من الأفعال الجِبِلِّية، وهكذا جميع أفعال الرسول التي أُمرنا باتباعه فيها بالأمر العام يجب علينا اتباعه فيها لا فرق بين أفعاله قبل الهجرة؛ أي قبل إقامة الدولة، وبين أفعاله بعدها، ويدخل تحت ذلك كل فعل، ومثل هذا أقواله عليه السلام، وكذلك الآيات القرآنية.
4- إن كون الحزب بدأ بإظهار الكتلة حين وُجدت عنده قوى وبدأ إحساس الناس بالدعوة، وكونه بدأ يضرب العلاقات، وبالكفاح علناً ومهاجمة الحكام بعنف حين صار الناس يتطلعون إليه وصار له وجود مؤثر يُحسب حسابه، وكونه بدأ بطلب النصرة حين تجمد المجتمع واشتد الأذى، كل ذلك إنما فعله لأن الرسول فعله فهو يقوم بمثل ما فعله الرسول على وجهه، ومعنى على وجهه أن يراعي المماثلة لفعل الرسول، فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يظهر الدعوة من أول يوم ولكنه كان يخفي التكتل، ولكنه حين تجمعت له قوىً وصار الناس يتحدثون عن دعوته؛ أي أحسوا بها نزل عليه قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر)، فالمماثلة هو أن تعلن الكتلة وأن نعلنها حين تجتمع قوىً ويحس عليها الناس هو القيام بالفعل على وجهه. وكذلك الرسول حين صار وجوده مؤثراً والناس يتطلعون إليه ويدخلون في دينه صار يسب آلهتهم، وصارت تنزل آيات في العلاقات إلى جانب آيات العقائد؛ أي صار يكافح الكفر، وكذلك فإن الحزب دخل في دور التفاعل حين صار الناس يتطلعون إليه، وصار وجوده مؤثراً يُحسب حسابه، وأيضاً فإن الرسول حين تجمد عليه المجتمع واشتد الأذى صار يتطلع إلى من ينصره ويسعى بطلب النصرة، وكذلك الحزب حين حصل له ذلك صار يتطلع إلى النصرة ويسعى لطلبها.
وهكذا جميع الأفعال فإن الحزب يقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل بالقيام بمثله والقيام به على وجهه، أما كون القيام بالفعل فرضاً أو ليس بفرض فإنه راجع إلى القرينة. فمثلاً الكيفية التي أظهر بها الرسول الكتلة من حيث إظهارها بشكل تحدي لقريش مع معرفته بما سيترتب على هذا التحدي من الأذى والبدء بالصراع، هذه الكيفية قرينة على أن إظهار الكتلة أصبح فرضاً لأنه لا يقدم على العمل بما يؤدي إلى الأذى إلا إذا كان ذلك طلباً جازماً، وكون الكفاح وضرب العلاقات كذلك يترتب عليه الأذى البليغ قرينة على الفرضية، وأما طلب النصرة فإنّ ما كان مكلفاً به هو التبليغ ليس غير، فكونه يُشرك مع طلب التبليغ طلب النصرة ثم يرسل مصعب بن عمير إلى المدينة لطلب النصرة ثم يأخذ بيعة العقبة الأولى على من استعدوا لنصرته، كل ذلك قرينة على أن الطلب طلب جازم؛ أي أن الطلب للنصرة فرض، وعليه فإن قياماً بالفعل الذي قام به الرسول على وجه المماثلة أي بمثل الفعل وأن يكون القيام به على وجهه، ولوجود القرائن الدالة على أن الطلب طلب جازم قام الحزب بأعماله بالانتقال من مرحلة الثقافة إلى مرحلة التفاعل والقيام بالسعي لطلب النصرة. وأما محاولة المخاطبة فإن الذي طُلب من الرسول هو أن يصدع بما يؤمر وأن يكافح، ولم يُطلب منه أن يحاول المخاطبة، ولكنه عليه السلام حين بدأ الجهر بالكتلة ومخاطبة الناس وبدأ الكفاح تعسر عليه الأمر فصار يقوم بمحاولات للمخاطبة وللكفاح من قبل تأدية الوليمة بعد نزول قوله تعالى: (فاصدع بما تؤمر) ونزول: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، ومن مثل إرساله عبد الله بن مسعود ليُسمِع كبار قريش عند الكعبة القرآن؛ أي إسماعهم ما يؤذيهم حتى ضربوه وغير ذلك، ولكن هذا من أعمال المخاطبة ومن أعمال الكفاح، وقام به بشكل محاولات، ولهذا فإنه ليس مرحلة ولا هو مأمور به للوجوب بل من أعمال التفاعل والكفاح، ولذلك يعتبر محاولة المخاطبة أو نقطة الانطلاق مقدمة لمرحلة التفاعل، بل جزء منها، فهي ليست مرحلة والقيام بها ليس فرضاً، وإنما يكون حسب المجتمع، فقد يقام بالتفاعل رأساً، وقد يتعسر ويحتاج إلى محاولة.
5- مِن تتبُّع أعمال الرسول في مكة قبل الهجرة؛ أي قبل إقامة الدولة، يتبين أنه عليه الصلاة والسلام كان يعلِّم المسلمين القرآن ويثقفهم ويحفظهم إياه في حلقات، اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وكان يرسل المسلمين القدامى مَن يعلم المسلمين الجدد كما حصل مع خبّاب بن الأَرَت، حين كان يعلّم زينب أخت عمر وزوجها سعيد، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم المسلمين القرآن جماعات ويتلوه على الجماهير في الأمكنة العامة، كما حصل حين كان يجتمع والمسلمين في دار الأرقم، ويتلو عليهم القرآن ويعلمهم إياه، وكما حصل منه حين كان يذهب إلى الكعبة ويتلو القرآن على الجماهير ويدعوهم إلى الإسلام، وكانت قريش تحضِر من يقوم أمام الجماهير ليرد على الرسول كما حصل حين جاء النضر بن الحارث فناقش أمام الناس فأفحمه الرسول، وكما حصل حين أبى ابن الزيعري يجلس مكان ما كان الرسول جالساً لينقض ما قاله، فهذان العملان قد ثبت قيام الرسول فيهما، فصار اتباعه واجباً وهما في واقعهما ثقافة مركزة في تعليمه المسلمين القرآن وجعلهم يحفظونه وثقافة جماعية في تثقيف المسلمين جميعاً وفي حديثه عليه السلام للجماهير في الكعبة، والثقافة الجماعية. والثقافة المركزة للمسلمين كان يقوم بهما الرسول من أول بعثته ولكن التحدث إلى الناس في الكعبة قام به بعد أن أظهر الكتلة، وأيضاً فإنه بعد أن أظهر الكتلة صارت تنزل عليه آيات أحكام من مثل قوله تعالى: (وفي أموالهم حق للسائل والمحروم)، وقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده)، وقوله: (ويل للمطففين)، وغير ذلك وهذا لم يحصل بعد جهره بالدعوة، وكذلك صارت تنزل آيات تكشف للمسلمين ما خفي عليهم من أمور السياسة مثل قوله: ( غُلبت الروم في أدنى الأرض)، وما حصل من حجاج أبي بكر مع كفار قريش، وآيات تبين أن الكفار يمكرون بالمسلمين من مثل قوله تعالى: (ليمكروا فيها ولا يمكرون إلا بأنفسهم)، وقوله: (سيصيب الذين أجرموا صَغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون)، وقوله: (ومكروا مكراً ومكرنا مكراً)، وقوله: (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون)، وكلها آيات مكية، ويضاف إليها ما فعله الرسول في المدينة ونحن مطالبون به، كذلك من مثل بيانه للمسلمين في يوم بدر عدد عدوهم وعدته من اشتئجار الأعراب، كل ذلك يدل على أن الرسول بعد أن جهر بالدعوة؛ أي بعد مرحلة الثقافة، كان يتبنى مصالح الناس لبيان أحكام الله في العلاقات، وكان يكشف للمسلمين ما خفي عليهم وما بيَّته لهم عدوهم، فمِن تتبُّع هذا تبين أن الرسول قبل إقامة الدولة كان يقوم بأربعة أعمال هي: الثقافة المركزة، والثقافة الجماعية، وكشف الخطط، وتبني المصالح.
وبناء على ذلك تأسى الحزب بالرسول وقام حسب الحكم الشرعي بأربعة أعمال هي: الثقافة المركزة والثقافة الجماعية وكشف الخطط وتبني المصالح. وكان قيامه بتبني المصالح وكشف الخطط بعد المرحلة الأولى والتأسي هو القيام بمثل فعله وعلى وجهه. وعلى هذا فإن الكشف والتبني عملان من أعمال الحزب وليس هي الكفاح السياسي، لأن الكفاح هو مهاجمة ما عليه الكفار والمجتمع والحكام، والكفاح السياسي هو نوع من أنواع الكفاح وهو مهاجمة الحكام بما يتعلق برعاية الشؤون أي هو مهاجمة أعمال الحكام، وتكون بالأسلوب اللاذع وغير الأسلوب اللاذع. فالكفاح من حيث هو فرض ومن الطريقة، ولكن الكفاح السياسي أسلوب لأنه كيفية من كيفيات الكفاح، فكفاح الباطل من كفر وظلم وغير ذلك هو عام، وكفاح رعاية الشؤون هو كيفية من كيفيات الكفاح وليس هو كل الكفاح.
6- الحزب لا يتميز عن باقي المسلمين بشيء، فإن الصحابة وهم حزب الرسول لم يكن الرسول يميزهم عن غيرهم من المسلمين بشيء، فحين يصل إلى الحكم يبقى كل مسلم في منصبه إذا كان أهلاً له سواء كان داخلاً في الدعوة أو لم يكن، أما ما فعله الرسول من إبقاء الأشخاص في مناصبهم حين دخلوا في الدعوة كما حصل في اليمن فإن أولئك كانوا كفاراً وأسلموا فدخلوا في الإسلام ولم يدخلوا في الحزب أي لم يصبحوا من الصحابة، ولهذا لم يتخذ فعل الرسول بالنسبة لمن أسلم، دليلاً على أن دخول الدعوة؛ أي الحزب وعدم دخوله، أما الكفار فكذلك يبقى كل شخص في منصبه ما لم يكن منصبه من مناصب الحكم، فإنه ينحّى عنه لأن الكافر لا يولَّى الحكم.
7- إن للحزب غايتين: إحداهما حمل الدعوة والثانية استئناف الحياة الإسلامية، والأعمال التي يقوم بها إنما هي لتحقيق هاتين الغايتين، فهو لا يساند أي عمل فاسد، ولكنه هو يعمل لتحرير الأمة من نفوذ الكفار ويعمل للحكم بالإسلام، يؤيد من يحرر الأمة من نفوذ الكفار في تحريره فقط، ولكنه لا ولا يتعاون معه، فهو لا يساند إلا من يعمل لتحرير الأمة ولاستئناف الحياة الإسلامية معاً، ولكنه لا يتعاون مع أحد، بل يقود كل الناس لتحرير الأمة واستئناف الحياة الإسلامية.