بسم الله الرحمن الرحيم

المرافعة التي رافع بها عثمان صالحية وقدّمها خطياً إلى

محكمة أمن الدولة الابتدائية في دمشق

تتعاقب على الأمم مع تعاقب الأزمان قضايا كبرى بالغة الأهمية والحيوية، قد تكون حيناً سياسية وحيناً اقتصادية وحيناً فكرية وحيناً غير ذلك. وتمثل هذه القضايا أعظم تحدٍ لتلك الأمم في تلك الحقب الزمنية المعينة.

وفي هذه الحقبة الزمنية التي تعيشها أمتنا اليوم، تبرز قضية النهضة بهذه الأمّة من حالة التخلف العقلي والانحطاط الفكري، باعتبارها ذلك التحدي الكبير. والنهضة –أي نهضة- لا تكون أبداً إلا بالفكر العميق. وليس أمام الأمّة في سعيها إلى هذا الفكر إلا أحد مسالك ثلاثة:

1- إما أن تظل راسخة في مفاسدها الحالية وأوضاعها المتداعية التي أورثتها إياها الرأسمالية الديمقراطية.

2- وإما أن تتبنى الشيوعية التي تجعل من البشر قطعاناً من العبيد.

3- وإما أن تؤوب إلى الإسلام فتأخذه عقيدة عقلية ونظاماً كاملاً شاملاً، أي تتبناه طريقة لها في العيش، فتجعل من عقيدته قاعدة لأفكارها، ومن أحكامه حلولاً لمختلف مشكلاتها، ومن مجموع مفاهيمه حضارة لها، ومن أفكاره رسالة إلى العالم وقيادة فكرية له.

وبعد الدراسة والبحث والفكر المستنير يستبين بما لا يدع مجالاً للشك أن المسلك الذي به وحده حياة هذه الأمّة في هذا العصر وفي الأعصار جميعها إنما هو مبدأ الإسلام. وأن القضية الكبرى تتحدد بعودته إلى الحياة، أي باستئناف الحياة الإسلامية. وعود الإسلام لا يتم إلاّ بتطبيق أحكامه تطبيقاً كاملاً، وحمل دعوته للناس كافة.

لهذا وُجِد حزب التحرير وراح يقيم على الفكر الإسلامي كتلة تعمل من أجل هذه الغاية العظيمة، ليتمكن عن طريق هذه الكتلة من نقل الفكر الإسلامي إلى المجتمع، ومن المجتمع، بعد أن يتبنى هذا الفكر، إلى السلطة أي الحكم.

ولذلك هيأ حزب التحرير ثقافة إسلامية هي عبارة عن أفكار وآراء وأحكام إسلامية بحتة لا تعتمد غير كتاب الله وسنّة رسوله لها مصدراً. وقد دوّن الحزب هذه الثقافة الإسلامية في كتب نشرها بين الناس ووزع منها الآلاف. وهذه الكتب ترسم بمجموعها مخطوطاً للمجتمع الإسلامي الذي فرض الله علينا إيجاده، وترسم صورة لطريقة معينة في العيش هي صورة الحياة الإسلامية، وهذه الكتب هي: نظام الإسلام, نظام الحكم في الإسلام، النظام الاقتصادي في الإسلام، النظام الاجتماعي في الإسلام، الدولة الإسلامية، الشخصية الإسلامية، مفاهيم حزب التحرير، مفاهيم سياسية لحزب التحرير، التكتل الحزبي.

وحزب التحرير يعمل لتثقيف الأمّة تثقيفاً جماعياً بهذه الأفكار الإسلامية وبتثقيف من يدرسون في حلقاته تثقيفاً مركزاً بهذه الأفكار كذلك.

والحزب يدعو جميع الناس للتثقف بهذه الثقافة الإسلامية في حلقاته، وليس يعني انتظام الناس في حلقات الحزب أنهم أصبحوا أعضاء فيه، فليس التكتيل في حزب التحرير تجميعاً، ولا الطاعة فيه عمياء، فلا يصبح الشخص عضواً في حزب التحرير إلاّ إذا نضج في ثقافة الحزب وتبنى أفكاره عملاً ودعوة وتعليماً.

لذلك فإن أكثر الشباب الذين يحاكَمون اليوم أمامكم ليسوا أعضاء في حزب التحرير، والجريمة التي قُدّموا إليكم لتحاكموهم عليها هي تفهّم آيات القرآن أو دراسة أحكام الإسلام. فلعمرُ الله ما ندري بعد هذا هل ترك الفاعلون للكفار من موضع في إعلان الحرب على الله؟

هذا ما يتعلق بالجانب الفكري في حزب التحرير. أما الجانب السياسي في الحزب فهو قائم على معنى السياسة في لغة الشرع من أنها رعاية شؤون الأمّة في الداخل والخارج، يباشرها الحاكم وتحاسِب الأمّة عليها.

وحزب التحرير يعمل للوصول إلى الحكم عن طريق الأمّة حتى يباشر رعاية شؤونها بتطبيق أحكام الإسلام عليها. وفي طريقه إلى هذه الغاية يعمل في محاسبة الحكام على رعايتهم لشؤون الأمّة، فيكشف خياناتهم وألاعيبهم ودجلهم على الأمّة، وعمولتهم للكفار والمستعمِرين، ويتبنى المصالح الحيوية للأمّة على مقتضى الكيفية التي رسمتها الشريعة الإسلامية لتحقيق تلك المصالح. ومحاسبة الحكام هذه أصل من الأصول العظيمة التي قام عليها دين الإسلام، قال عليه الصلاة والسلام: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله) وقال: (ستكون أمراء فتعرِفون وتُنكِرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سَلِم، ولكن من رضي وتابع) وقال: (أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر). ولقد مارس أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المحاسبة في حياة الرسول الأعظم، فهذا الحبّاب بن المنذر بن الجموح يقف للرسول يوم بدر قائلاً: أهذا منزل أنزلكه الله يا رسول الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: (بل الرأي والحرب والمكيدة) فيقول الحبّاب: فإن هذا ليس بمنزل. ويوم الحديبية هادن الرسول صلى الله عليه وسلم كفار مكة على أمور منها: أن يَرُدُّ الرسول إلى قريش كل من جاءه مسلماً، وأن لا يردّوا إليه أحداً جاءهم فاراً من عنده. ولم يدرك المسلمون المصلحة الخفية في هذا الشرط، فقاموا يحاسبون الرسول على قبوله به، فقال له عمر بن الخطاب: ألست برسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: بلى. فقال عمر: أولسنا بالمسلمين؟ فقال عليه السلام: بلى. فقال عمر رضي الله عنه: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟

ولقد درج المسلمون من بعد الرسول عليه السلام على سنّته في محاسبة الحاكم، فقد وقف عمر ذات يوم في الناس خطيباً فقام إليه رجل من الناس وقال له: اتق الله يا عمر، فانبرى له آخَر ينتهره قائلاً: الا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تقول اتق الله، بل اتق الله أنت. فصاح به عمر يزجره ويرفع منار التواصي بالحق عالياً ويقول: دعه يا هذا، فلا خير فيهم إن لم يقولوها لنا ولا خير فينا إن لم نسمعها منهم. أجل، هكذا شرع لنا الإسلام أن نقول لكل من انحرف عن محجته البيضاء: اتق الله ثم اتق الله ثم اتق الله.

وإني بين يدي هذه الدلائل والبينات في وجوب محاسبة الحكام، أقدم موجزاً عن المنشورات التي بها حاسبناهم على بعض أعمالهم فجعلوا من ذلك مادة يحاكموننا عليها:

الأول: منشور يبين خطر القروض والمساعدات الأجنبية. وكان توزيع هذا المنشور بمناسبة توقيع السيد مراد غالب وكيل وزارة الخارجية إذ ذاك والسفير الأمريكي فريديريك رينهارت على اتفاقية لتمديد النقطة الرابعة الأمريكية إلى الإقليم السوري في أوائل شهر نيسان من هذا العام. ويشرح المنشور كيف أن الشعب في الإقليم السوري قد كافح دخول النقطة الرابعة إلى سوريا سنوات طويلة لأنها مشروع استعماري بحت، ولم يتجرأ أحد من الحكام الذين تعاقبوا على سوريا أن يوقّع على ذلك المشروع الاستعماري، فكيف يقدِم الرئيس جمال عبدالناصر على ذلك؟ هل تغيرت النقطة الرابعة حتى أصبحت مشروعاً خيرياً إنسانياً، أم هل تغيرت أمريكا فانسلخت من عداد الدول الاستعمارية؟ ويشرح المنشور كذلك الأخطار الهائلة التي تكمن وراء إغراق البلاد بالقروض الطويلة الأجل والقصيرة الأجل، فهل يريد الرئيس جمال عبدالناصر أن يعيد مسألة الخديوي إسماعيل حين أغرق مصر بالقروض التي أورثتها استعماراً دام قرابة الثمانين عاماً؟ وقد نشرت مجلة روز اليوسف في عددها الصادر بتاريخ 31/10/1960م أن القروض الأمريكية قد بلغت 74 مليون دولار في عام 1959م، وبلغت 139 مليون دولار عام 1960م، وأما السنة الحالية فقد بلغت 115 مليون دولار أخرى حصلت عليها الجمهورية العربية كمعونة.

الثاني: منشور بعنوان بيان من حزب التحرير يدعو إلى هدم الكيان الأردني وضمه إلى سوريا كجزء من الجمهورية العربية المتحدة. وفي هذا المنشور يبين الحزب الوضع الاستبدادي الفظيع الذي خلقه الإنجليز في الأردن، وراح أجراؤهم يتولون عنهم ممارسة هذا الظلم الصارخ. وبيّن كذلك كيف أن الإنجليز قد اتخذوا من الأردن قاعدة استعمارية بالغة الخطورة لاسترجاع العراق والانقضاض على سوريا وحماية ظهر إسرائيل. ويَخلُص البيان إلى الدعوة لهدم الكيان الخطر الذي لا يمكن أن تتخلص الأمّة من شره إلاّ بهدمه وضمه إلى الإقليم السوري.

الثالث: مذكرة قدمها حزب التحرير إلى أعضاء مجلس الأعيان والنواب في الأردن يطلب منهم فيها عقد جلسة استثنائية مشتركة للمجلسين، وإعلان خلع الملك حسين عن العرش، وإعلان ضم الأردن إلى الإقليم السوري كجزء من الجمهورية العربية المتحدة.

وقد أوضحت هذه المذكرة والمنشور الذي سبقها أن مشروع الكيان الفلسطيني أو الجمهورية الفلسطينية مشروع استعماري يرمي إلى تصفية قضية فلسطين والصلح مع إسرائيل، وما الدعوة له إلاّ صورة أخرى للدعوة إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة التي تنص على تقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية. ولذلك قال فولبرايت رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي حين زار الجمهورية العربية المتحدة قبل عدة شهور: لقد وافقت أمريكا على إيجاد كيانين في فلسطين أحدهما يهودي والآخر عربي. وعلاوة على ذلك فإن الدعوة إلى إيجاد كيان فلسطيني تناقض الدعوة إلى الوحدة، والأمّة تواجه تضخماً في عدد الكيانات، فهي لا تريد كيانات جديدة وإنما تريد اختصاراً لهذه الكيانات، لذلك كان لزاماً على حكامنا أن يعملوا على هدم الكيان الأردني بضفتيه الشرقية والغربية وضمه كله إلى الإقليم السوري بدل أن يدعو إلى كيان فلسطيني أو جمهورية فلسطينية تزيد المسوخ مسخاً جديداً.

الرابع: منشور بعنوان (الديمقراطية كفر ولن نرضى عن الإسلام بديلاً) وخلاصة هذا المنشور أن الديمقراطية فكر غربي منبثق عن وجهة نظر الرأسمالية في الحياة، فهو فكر يناقض الإسلام الذي يكون وجهة نظر أخرى في الحياة، ولذلك فالديمقراطية أفكار كفر تحرم الدعوة إليها واعتناقها، علاوة على أن الدعوة للديمقراطية تعني أن نظل نعيش على شرعة الاستعمار في الوقت الذي نزعم فيه أننا ألد أعدائه وأننا أعظم محاربيه وأننا متحررون من ربقته ونفوذه، قال الله تعالى: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أُمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً).

الخامس: منشور بعنوان (بيان من حزب التحرير في وجوب المحافظة على الوحدة بين الإقليمين المصري والسوري وإكمال السير في الوحدة الإسلامية). وكان إصدار هذا البيان بمناسبة اشتداد الحملة على الوحدة من قِبَل الإنجليز والأردن وإسرائيل وبعض الفئات الحزبية والنفعية، وتحركات العملاء ضد الوحدة في الداخل والخارج. ويتناول البيان هذا ثلاثة أمور رئيسية:

أ) تحريم الدعوات الاستقلالية وبيان أن الكفرة المستعمِرين هم الذين كانوا وراء الحركات الاستقلالية والدعوات الانفصالية التي سبقت الحرب العالمية الأولى، واستطاعوا عن طريقها تجزئة البلاد الإسلامية مزع من الدويلات الكرتونية التي لا تملك من مقومات البقاء إلاّ عدم وجود من يهدمها، وأنهم هم أنفسهم –أي الكفرة المستعمرون- هم الذين يقفون اليوم وراء الحركات الانفصالية الجديدة، لذلك لا بد من التنبه إلى هذه الدعوات والحركات والوقوف في وجهها بشدة وقوة وحزم.

ب) أن الوقوف عند حد الوحدة بين مصر وسوريا –أي تجميد الوحدة- هو الذي يفسح المجال لدعاة الاستقلال والانفصال أن يأخذوا دور الهجوم على الوحدة.

ج) لا بد من الفصل بين حكم الرئيس عبدالناصر والوحدة، فمن ساءه حكم الرئيس جمال عبدالناصر أو ديكتاتوريته وسخط عليها فلا يجوز له أن يتخذ من ذلك ذريعة للتبرم بالوحدة أو السخط عليها أو الانتقاص منها.

وحزب التحرير وإن كان يعمل لتغيير نظام الحياة في الجمهورية العربية المتحدة –وفي غيرها- عن طريق الأمّة لأنه نظام يتناقض مع الإسلام، فإنه، أي حزب التحرير، من أشد الناس استمساكاً بالوحدة والحفاظ عليها، لأن الله تعالى قد فرض أن يكون المسلمون كلهم بلداً واحداً حين جعل منهم أمّة واحدة تستظل براية واحدة ولها خليفة واحد.

هذا هو ما جاءت به بيانات حزب التحرير من محاسبة للحكام ونقدهم نقداً سياسياً مخلصاً نزيهاً. أفبعد هذا تُجعل دراسة الثقافة الإسلامية في حزب التحرير والدعوة إليها بين الناس جريمة يحاكَم عليها المسلمون على اعتبار أنهم يزاولون نشاطاً هدّاماً؟ أوبعد هذا تُجعل محاسبة الحاكم ونقده نقداً سياسياً رفيعاً جريمة يحاكَم عليها المسلمون أنها ذم وقدح وتحقير؟ إن هذا لعمر الحق ليس يعني إلاّ أن يُجعل المسلمون كالمجرمين، والله تعالى يقول: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)؟

ورُبّ جاهل أو متجاهل يقول إن هذه دعوة حزبية والجمهورية العربية المتحدة قد منعت الأحزاب منعاً باتاً، لذلك حُقّ لها أن تقدّم للمحاكمة كل من يقوم بدعوة حزبية، وعلى جميع الفئات أن تنصاع لهذا المنع لأن طاعة أولي الأمر أمرٌ فرضه الله تعالى على المؤمنين.

والجواب على ذلك أن الله سبحانه وتعالى حين فرض على المسلمين طاعة أولي الأمر منهم فإنه قد قدّم طاعته وطاعة رسوله على طاعة أولي الأمر فقال: (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) ثم وثّق ذلك بأن جعل مرد النزاع إن وَقَعَ بين الحاكم والمحكوم إلى كتاب الله وسنّة رسوله فقال: (فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)، ثم جاءت السنّة تركز مفهوم الطاعة الواجبة على المحكومين بشكل قاطع، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وقال: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال في حق السرية الذين أمرهم أميرهم أن يجمعوا حطباً ويشعلوه ثم يدخلوا النار، قال في حقهم: (لو دخلوها ما خرجوا منها).

وإذاً فما دامت طاعة الله وطاعة رسوله مقدَّمة على طاعة جميع الخلق، وما دام الله قد فرض على المسلمين في جميع أقطار الدنيا أن يحملوا دعوة الإسلام، وما دامت هذه الدعوة لا يتم القيام بها إلاّ في تكتل حزبي، لذلك كله فقد أضحى التكتل الحزبي لحمل الدعوة الإسلامية واجباً شرعياً، لأن ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب.

والرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه حين حمل الدعوة الإسلامية وبلّغها إنما حملها في كتلة أي حزب، قال تعالى يصف ذلك الحزب: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كَتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).

فإذا كان الله رب العالمين قد جعل من المؤمنين بالله الحاملين لدعوته المبلّغين لرسالته، حزباً في صريح قرآنه، فمن ذا الذي يريد أن يقطع ما أمر الله به أن يوصَل، ومن ذا الذي يبغي ما لم ينزل الله به سلطاناً، ومن ذا الذي يريد أن يفصم ما عقده الله بين عباده المؤمنين وخيرته من خلقه؟

على أنه إذا جاز لحاكم أن يحارِب الأحزاب التي تقوم على غير الإسلام كالشيوعية، بل إذا وجب عليه ذلك، فإنه يحرم عليه حرمة قاطعة أن يحارب الدعوة الإسلامية، فإن حربها حرب على الله صريحة ومبارزة لله بالمعصية، نعوذ بالله من شرها ومن سوء عاقبتها. وإنه لأمر يبعث على الأسى والأسف أن يصل الحال في هذه البلاد الإسلامية المباركة إلى أن يعتبر من يتعزى بعزاء الله ويدعو بدعاء الحق ويحاسِب راعي شؤونه بالقول الحق، إلى أن يعتبر هذا المسلم مجرماً تتخطفه أيدي الجلاوزة فتُلهب ظهره بالسياط وتذيقه من التعذيب والتنكيل ألواناً وألواناً، ثم يُزَج به في السجن كسجن المزة تهدر فيه إنسانية الإنسان، ثم يقدَّم ليحاكَم على جريمته الكبرى وهي أن يقول ربي الله (وما نقموا منهم إلاّ أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شيء شهيد).

على أن السياسي البصير يدرك أن وراء هذا الاضطهاد المسعور لحَمَلة دعوة الإسلام السائرة في الطريق السياسي قوى خفية تدفع إليه، فما هذه الاعتقالات والمحاكمات التي تجرى في غير بلد من هذه البلاد الإسلامية إلاّ مظهر من مظاهر الحرب الضروس التي يشنها الكفار المستعمِرون في كل مكان ضد الدعوة الإسلامية السائرة في الطريق السياسي، ويتخذون من حكام البلاد أداة لضرب هذه الدعوة في عقر دارها –في بلاد الإسلام- فليس من طريق الصدفة أن تَعتقل الحكومة الأردنية في شهر آب وأيلول الماضيين نيفاً ومئة شخص بتهمة الانتماء إلى حزب التحرير، وتقدّم للمحاكمة في أسبوع واحد أربعين شخصاً في نابلس ورام الله وإربد أمام محكمة أمن الدولة، وليس من طريق الصدفة أيضاً أن تعتقل الحكومة اللبنانية عدداً يناهز الثلاثين شخصاً في شهري آب وأيلول نفسيهما وتقديمهم للمحاكمة أمام محكمة الجنايات في بيروت، وليس من طريق الصدفة كذلك أن تعتقل السلطات في الإقليم السوري في شهري آب وأيلول بالذات حوالي العشرين شخصاً وتقدّم منهم إلى محكمتكم هذه (محكمة أمن الدولة) هذا العدد الذي يمثل أمامكم بتهمة الانتماء إلى حزب التحرير.

لا جرم أن هذا لم يكن أمر مصادفة، ونحن نعلم أن النفوذ الإنجليزي هو الذي دفع حكام لبنان والأردن إلى هذه الإجراءات التعسفية، ونحن نعلم أن النفوذ الأمريكي هو الذي يدفع بحكام الجمهورية العربية المتحدة إلى إجراءات مماثلة.

ومن هنا يظهر السر في هذه الحملات المسعورة على حزب التحرير لأنه يحمل الدعوة الإسلامية السائرة في الطريق السياسي، ويعمل لإقامة الدولة الإسلامية التي تقيم شرع الله في أرضه وتعيد للعالم قوة سياسية كبرى يخشى منها الغرب على نفسه ووجوده. ولذلك جُنّ جنون الإنجليز والأمريكان فقام عملاؤهم وأُجراؤهم من الحكام ينكّلون بكل من يفكر في إقامة حكم الإسلام، وحمل رسالة الإسلام. وإننا بهذه المناسبة نريد أن تفهم الفئات الحاكمة أن حمل الدعوة الإسلامية بالطريق السياسي هو حكم فرضه الله على المسلمين جميعاً، ولن يثني المؤمنين برسالة ربهم عن حملها وتبليغها ثانٍ، فليعلموا أننا نتعهد الله بحمل دعوته. فمحاربة الدعوة الإسلامية إنما هي محاربة للمسلمين في دينهم وعقيدتهم وعبادتهم، وهذا لا يُقدِم عليه من كان في قلبه مثقال ذرة من خوف. وليعلموا أن محاربة الفكر السياسي في الأمّة وهي تتطلع إلى النهضة من كبوتها، لهي أكبر خطيئة يمكن أن يقع فيها حاكم لو كان ذلك منه عن حسن نية، وهي أكبر مؤامرة على الأمّة وأشنع ضربة تنزل بعملها إن كان ذلك منه عن تعمد وسوء طويّة.

فلتحذر الفئات الحاكمة من يوم تتكشف فيه لجماهير هذه الأمّة الإسلامية على حقيقتها، فتسقط من عينها كما سقطت من عين الله.

هذا هو حزب التحرير، وهذه هي دعوته، وهذه هي أعماله، وهذه هي جريمة الانتماء إليه أو الدراسة فيه.

ولا أظن إلاّ الحق بجانبه، وما أرى بتجريم من ينتمي إليه أو يدرس فيه أو يحمل دعوته وجهاً ينال به رضوان ربنا، وما أرى لكم قضاءً وقد دعيتم إليه إلاّ ما قضى الله حين قال: (إنما كان قول المؤمنين إذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخشَ الله ويتّقهِ فأولئك هم الفائزون).

لذلك فإني أطلب رد القضية وبراءتي منها وإخواني.

6 كانون الأول 1960م