بسم الله الرحمن الرحيم

الكلمة الشهرية:

العـــزلـــة

العزلة هي الابتعاد عن الناس وترك الأمور في المجتمع تجري على ما هي عليه. فإذا كان الإسلام موجوداً أو كان الكفر فالأمر، سيان عند أصحاب العزلة؛ أي لا يضيرهم ماذا يطرأ على المجتمع من تغيير أو تبديل. فالإبقاء على الوضع القائم ولو كانوا لا يريدونه، والابتعاد عن الناس هو ما يعنيه أصحاب العزلة من الدعوة إلى العزلة أو من كونهم في حالة عزلة.

على أنه قد يعتزل الرجل في بيته أو في زاويته وينقطع عن الناس فيكون في حالة عزلة، وقد يتعامل مع الناس في البيع والشراء والوكالة ويكون في حالة عزلة، فليس معنى العزلة هي الانقطاع عن الناس فحسب، بل العزلة أيضاً أن تُترك الأمور في المجتمع على ما هي عليه سواء انقطع عن الناس أم لم ينقطع، لجأ إلى بيته ليعتزل أم ظل على علاقته وصلته بالناس، فمن لا يهمه أمر الناس ولا ينظر فيما هُم عليه فإنه يكون في حالة عزلة، ولو لم ينقطع عن الناس.

إن من يكون الإسلام لديه مجرد أماني ولا يعمل على إيجاده، يكون كمن لا يهمه أمر الناس، حتى وإن كان يريد الإسلام أن يكون في المجتمع، فالعزلة ليست هي مجرد الانقطاع عن الناس، بل هي أيضاً ترك الأمور في المجتمع على ما هي عليه، فهي تتحقق في كلتا الحالتين، سواء أقَصَد العزلة أم قَصَد اتقاء الشر واجتناب الأذى وعدم إلحاق الضرر به وبعائلته، فأدى به إلى العزلة. فالعزلة هي مزيج من الجُبن واليأس، فلا بد أن تُقلع من نفوس الأفراد ومن المجتمع حتى يدفع الكفر والفساد عن المجتمع، وتدفع الأخطار عن الأمّة، ويزول الظلم والاستعباد من حياة الناس، وحتى يحال بين الناس، وحتى يحال بين الأمّة وبين الجهل والانحراف في فهم الإسلام وفي أخذ أحكام الكفر، وحتى لا يتسلط أعداء الإسلام على كيان الأمّة من الخارج، ولكي لا يُترك العمل بالإسلام ولا تتوقف الدعوة الإسلامية من جراء تسلط المتسلطين ونقمة المتعصبين وهيمنة الظالمين.

إلا أنه حين انتشرت فكرة العزلة بين الناس وصارت هي الطاغية في المجتمع، ازداد وقوع الظلم على الناس، وكَثُر الهرج والفتن، وصالت دول الكفر وجالت في بلاد الإسلام، فكَثُرت المكائد والمؤامرات على جسم الأمّة، فزالت دولة الإسلام وانقسمت البلاد الإسلامية إلى مجموعة دول وصارت تحكم بالكفر، إلى أن تمكن الكفار من السيطرة على بلاد الإسلام وحينئذ عمّ الفساد والانحلال في كل بلد، وظلت الأمور تجري على ما هي عليه منذ هدم الخلافة في العقد الثاني من هذا القرن. ولولا فئة قليلة مؤمنة صابرة كانت تقف بوجوه الكفر والكفار، وتعمل على ضرب الفساد والفاسدين، وعلى إعادة سلطان الإسلام إلى بلاد المسلمين، لأوشك الفناء أن يعمّ الأمّة، ولكانت تمحي سمة هذه الأمّة الكريمة التي أشرقت على الدنيا طيلة اثني عشر قرناً. فالعزلة هي من أخطر الآفات على الأمّة، فلا بد من قلعها من الأفراد ومن المجتمع.

نعم، قد رُوِيَت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أحاديث في العزلة والهروب من الفتن، ولكن هذه الأحاديث خاصة في الفتن، وفي حال ما إذا كانت الحرب بين فئة ظالمة وأخرى على الحق، فيَقصُر نظر المسلم عن معرفة صاحب الحق أو قد يجهله، فحينئذ يجوز له أن يعتزل، أما إذا عرفه فلا يحق له أن يعتزل، بل عليه أن يقاتل الفئة الظالمة ويقف إلى جانب الفئة التي على الحق، وقد يكون المتقاتلون بُغاة، ففي هذه الحال لا عليه أن يقاتل، ويجوز له الفرار من الفتنة أو أن يعتزل. هذا هو ما تعنيه أحاديث العزلة والهروب من الفتن. فالعزلة خاصة في حال الفتن، أي في حال نشوب الثورات من الداخل، أما في غير ذلك فإن المسلم مأمور بأن يهتم بأمر المسلمين كأن يمنع عنهم أذى الحاكم، أو كأن يغيّر عليهم في حال ظهور الكفر في ديارهم، أو في حال خلو الأرض من وجود خليفة المسلمين، ومأمور أيضاً بأن يحمل راية الجهاد في جميع العقبات إلى قيام الساعة.

لذلك فإن العزلة في غير الفتن لا تجوز مطلقاً، ويحرم على المسلم أن يعتزل، بل عليه أن يكافح الكفر والفساد في كل زمان ومكان، مهما بلغت قوة الكافرين وسيطرة الفاسقين، ومن ينظر في السيرة النبوية وفي تاريخ المسلمين يجد أنه لم يخلُ عصر من وجود من يكافح الكفر والفساد ويقف بوجوه الكفار والفاسقين، وحتى في أواخر عصور الدولة الإسلامية لم تخلُ هذه العصور من وجود من يكافح الكفر والكفار والفساد والفاسدين، فقد ثار المسلمون في أواخر الدولة الإسلامية ضد حكام تركيا الفتاة الذين عملوا على الإطاحة بالسلطان وأبدل نظام الخلافة بنظام الكفر وذلك عام 1908 ميلادي، ولكنهم حين سكتوا، أعلن حكام تركيا الفتاة حكم الكفر، فصار دستورياً برلمانياً ولم يعد نظام خلافة، فوُجد برلمان ووُجدت وزارة وصدرت القوانين يضعها البرلمان، فانتهى بذلك دور الأحكام الشرعية في الحكم والتشريع، إلى أن جاء مصطفى كمال فهدم الخلافة، وهدم جميع أحكام الإسلام، دون أن يجد من يحمل السلاح بوجهه ومن يقاتله، فآثر المسلمون جميعاً السكوت وآثروا العزلة على النهوض لمنع الحكم بنظام الكفر، فكانت تلك المصيبة الفادحة والكارثة المروعة في ذهاب الإسلام عن الحياة. لذلك كان لا بد من نبذ العزلة، فنغيّر على الحكام، ونقيم الخلافة، ونرفع راية الجهاد، راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، في الأرض من جديد. وأحبّ أن أذكّر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن العزلة، فقال لمن أراد أن يعتزل: (لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاماً). فلم يأذن له أن يعتزل، وإنما أمره بأن يجاهد في سبيل الله، واعتبر جهاده أفضل من اعتزاله وانقطاعه إلى الصلاة والعبادة.

إن المسلم أينما كان، هو طاقة متحركة وقوة مزمجرة في وجوه الفساد والفاسدين والكفر والكفار، فإذا كان في بلاد الإسلام عَمِل لإنهاض المسلمين، وعمل لإقامة دولة الإسلام، وحمل الدعوة، ودخل في صراع فكري وسياسي مع الحكام الكفار والظالمين، وعمل على ضرب مخططاتهم وإفشال مؤامراتهم، وعمل على الإطاحة بهم لتوحيد العالم الإسلامي من جديد في ظل راية الإسلام، وإذا كان في بلاد الكفر ظل يعمل من أجل إنهاض المسلمين، ولكن من حيث إقامة دولة الإسلام فإنه يكتفي بتذكير المسلمين وإفهامهم ضرورة وجود الدولة، وضرورة وجود الإسلام في حياة الناس. والصراع الفكري والسياسي مع الحكام يستعيض عنه بإيجاد الوعي السياسي لدى المسلمين، إذ لا يتأتى له الكفاح وهو بعيد عن واقع بلاده وأمته، وإنما يدخل في صراع فكري مع أهل الأديان الأخرى. والحزب قد طلب منا أن نعمل على نشر الإسلام في الخارج، أي أن نخوض الصراع الفكري مع أهل الأديان الأخرى، لأن الإسلام قد طلب منا ذلك، فالمسلم، أي مسلم، هو حامل دعوة للإسلام أينما كان، فكيف إذا كان في حزب التحرير.

على أن الدعوة إلى الإسلام تكون منتِجة، إذا وجد من يقوم بذلك من المسلمين، وإذا ما نجحنا بالتالي إلى أن نكسب هؤلاء المسلمين لحمل الدعوة مع الحزب. ولكن قبل ذلك لينظر كل واحد منا كم يعطي الدعوة من وقته، هل يعطي أكثر من الجزء اليسير من وقته لحضور حلقة، ولا يعطي الدعوة أكثر من ذلك. وكم مرة تقصَّد الناس من أجل دعوته، وكم مرة استطاع أن يضم للحزب أناساً في هذه السنين العديدة، أو في تلك الأشهر الطوال.

يا شباب الحزب

إن أمامكم هدفاً يجب أن لا يغيب عن بال أحد منكم، ألا وهو تهيئة هذه البلاد لتنضوي تحت راية الخلافة في المستقبل، فلا تظنوا أنكم إذا كنتم بعيدين عن مقارعة الحكام والسياسيين أن عملكم لا ينتِج ولا يمكن أن يؤدي إلى تحقيق ما نصبو إليه من تهيئة هذه البلاد للانضواء في ظل الإسلام، فإن هذا قِصَر في النظر وعدم إدراك لطبيعة حمل الدعوة بين الناس، ولكن ماذا أعددتم لذلك، هل أعددتم الناس، أم أعددتم أنفسكم قبل الناس؟ فإن كنتم أقلة فذلك راجع إليكم لا إلى الناس، لأنكم لا تتقصدون الناس، ولا تعملون على نشر الدعوة بين الكفار، أو لتحريك المسلمين وتذكيرهم بالإسلام.

إن الناس طيبون، وفيهم القابلية أن يتقبلوا فكرة العمل والانتظام في الحزب طالما أن الحزب هذه هي غايته وهذا هو عمله، أي عمله الذي هو حمل الدعوة إلى الإسلام من أن تتهيأ هذه البلاد للدعوة في حال قيام الخلافة. لذلك لا يخطر على بال أحد أنه لن يطول الزمن دون تحقيقه، وإنما ذلك ممكن إذا توفرت الهمم ووُجد من يقوم به أو يعمل على تحقيقه، سواء قبل ظهور الخلافة على العالم أم بعدها.

صحيح أن وجود الدولة يساعد على نشر الإسلام في العالم، ولكن ذلك لا يمنعكم أن تقوموا بنشر الإسلام طالما أن الفرض لا يسقط عنكم في حال عدم وجود الدولة، أما أن تلجأوا إلى العزلة، فهذا أمر لا يجوز لكم القيام به، خاصة وأنه لا يوجد أي باعث يدفعكم إلى العزلة، فلا خطر يتهددكم، ولا عدو يتربص بكم الدوائر، وإنكم لم تقوموا بعمل بعد حتى تيأسوا، أو تعتزلوا الناس، هذا على فرض أنه يجوز لكم أن تعتزلوا الناس.

على أننا إن أحسنّا الظن وقلنا لكم إنكم لم تعتزلوا الناس، فإنكم إما جامدون أو مقصّرون، وهذا ليس من طبيعتكم، ولا من سمات حامل الدعوة إلى الإسلام.

لذلك فإننا ندعوكم لأن تقوموا بحمل الدعوة إلى المسلمين لتذكيرهم بالإسلام، وإلى الكفار حتى يؤمنوا بالإسلام، فهذا وحده الذي يرفع عنكم الإثم، ويُشعركم بأنكم مسؤولون عن باقي الناس لهدايتهم، ولإنقاذهم مما هم فيه من جهل وضلال، وظلم وكفر، وشرور وآثام.

وأحب أن أذكّر في هذا الشأن أن حامل الدعوة منذ أن انبثق فجر الإسلام، هو الذي دفعه لحمل الدعوة إلى الجهاد والاستشهاد في سبيل الله، وهو الذي نشر الهدى بين الأنام ودكّ الحصون، وفتح الأمصار، وهو الذي شل العروش وأطاح بالتيجان، ولولا حمله للدعوة لَما استطاعت تلك الفئة القليلة من المسلمين أن تفتح هذه البلاد المرامية الأطراف، وتحولها من بلاد الكفر إلى بلاد إسلام، وتحوّل أهلها من كفار إلى مسلمين. وحامل الدعوة هو الذي ذهب تاجراً إلى البلدان في إفريقيا واندونيسيا والصين واليابان وغيرها، فتاجَر بالدعوة قبل التجارة المادية، وهدى الملايين من الناس إلى الإسلام وربح رضوان الله إلى جانب ربح الأموال.

فحامل الدعوة اليوم كحامل الدعوة بالأمس، فيه القدرة على إعادة الإسلام في بلاده ليحمله إلى العالم، وفيه القدرة على نشر الإسلام خارج حدود بلاده، ذلك أن حامل الدعوة لا يعيش إلا على أفكارها، ولا يرغب في الحياة إلا من أجلها، ولا يشعر بالراحة إلا إذا قام بحملها، ولا يطمئن إلا بعد أدائها، ولا تلهيه تجارة ولا بيع عنها كما لم تلهِه عن ذكر الله.

هكذا هو حامل الدعوة، يتصور بأن الدعوة هي عمله الأول في الحياة، فهي عمل مستمر، عمل كل يوم، وعمل كل ساعة، وكل لحظة، وأينما كان، فإنه حامل دعوة، عمله هو نشر الهدى والنور بين الناس.

لذلك فما على حملة الدعوة إلا أن يؤدوا واجبها كواجب كلّفهم الله به، وأن يُقبِلوا عليه متهللين مستبشرين برضى الله، لا يبتغون مِن عملهم جزاء، ولا ينتظرون من الناس شكراً، ولا يعرفون إلا طلب رضوان الله، فيسيروا بعزمات المؤمنين الصادقين، دون أن تلين لهم قناة، حتى يفتح الله على أيديهم الفتح المبين.

والله نسأل أن يأخذ بأيدينا جميعاً لرفع رايته وإعلاء كلمته في القريب العاجل.

إنه السمع المجيب. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حزيران 1978

رجب 1398