بسم الله الرحمن الرحيم

الكلمة الشهرية

السياسة هي فن الممكنات

السياسة في نظر الناس عادياً هي فن الممكنات بمعنى أنها تبحث الواقع وتعالجه، فمثلاً هناك قضايا تاريخية مثل كون ساحل البحر الابيض المتوسط هو حدود الغرب النصراني والشرق الإسلامي، فهذا واقع تاريخي يعتبرونه واقعاً ولو تغير، لأنه واقع فلا بد من تغييره. وهناك مثلاً قضايا يومية حياتية يبحثونها حسبما هي، فالواقع الآن هو أن رئيس وزراء بريطانيا هو جيمس كالاهان فحين يحسب ويبحث، يحسب ويبحث على أنه واقع ويعالج للتغيير أو للإبقاء، وهناك مثلاً قضية الشرق الأوسط، فهو واقع ويراد تغييره أو علاجه بما يقتضي الواقع، فالشرق الأوسط هو الأصل، والقضايا التي تعالج فيه هي قضايا يومية، فمثلاً النزاع بين إسرائيل والدول العربية واقع فيراد علاجه، ومثلاً قضية روديسيا فهي واقع والأمر الذي يعالج فيه هو حكم الأكثرية وليس التحرر، حتى ولا إخراج البيض، بل المراد هو حكم الأكثرية، ليتمشى ذلك مع الحياة العصرية، وهو حكم الأكثرية، فانجلترا تريد أن تمشي مع العصر، فتعطي الحكم للأكثرية، ولكن لا لتخرج، ولا ليُعتق من الاستعمار، بل لتأخذ الحكم الأكثرية فيه. أمّا هذه الأكثرية، تعقل أو لا تعقل، تخضع لانجلترا أو لأمريكا، ليس مهماً، المهم هو حكم الأكثرية. فمعنى السياسة فن الممكنات تعني فن الواقع، أي علاج الواقع لا بما يقتضي علاجه بل ليتمشى مع روح العصر، فالسياسة عندهم هي فن الممكنات. هذا الفهم بتفاصيله كان هو المسيطر على الناس، وكان هو المسيطر على السياسيين، لذلك ظل شباب الحزب خارج المجتمع، وخارج الناس، فظلوا يعيشون في أفكارهم، فكانت محاولات لأجل نقلهم ليسيّروا الناس. فأصبحوا بعد المحاولات سياسيين فعلاً، وصاروا يحللون الأخبار تحليلاً صحيحاً، وصاروا يرعون شؤون الناس، ولكن ظلوا خارج المجتمع، وخارج الناس. وإذا كان الحزب قام بالمحاولتين في الأردن لأجل أن يجعل الشباب في وضع يستطيعون أن يكونوا في الداخل، وكان هذا في عصر كانت المحاولات تجري من الأفراد، وكان الزعماء يستقطبون الناس. ولكن ظهر فيما بعد أن الناس هم الأصل، وهم الذين يسيّرون الزعماء والأفراد، فظل الحزب يعمل لتفتيح الشباب فقط، إلى أن حصلت حادثة لبنان، فكفر الناس بالزعماء، وكفر بالأفراد، فصار الحزب لو استلم الحكم لا يكفي أن ينجح بسحر ساحر، ولا أخذه الحكم يعني عصا سحرية تلقف ما يأفكون. فكان لا بد أن يشتغل الحزب كله عن وعي، وصار الشباب لا بد أن يكونوا في الأمّة وبين الناس حتى يسوقوا الناس لغاية الحزب، أي صار لا بد أن يشتغل الحزب كله كل فرد فيه عمل الحكم أي عمل السياسة، لذلك صار لا بد أن يكون الشباب، أي شباب الحزب، سياسيين فاعلين. ولكن كونهم سياسيين لا يكفي، بل لا بد أن يعرفهم الناس، وهذا ما يعمله الحزب الآن، وهو أن يعرّف الناس أن هؤلاء هم السياسيون، وانهم قادرون على العمل. فرأى أن لفت نظر الناس للشباب كافٍ لأنه مسموع الكلمة، وقادر على التسيير، ولكن ظهر أن الشباب هم أنفسهم أقدر من الحزب وأقدر من كل شيء للفت نظر الناس ومعرفتهم لهم. لهذا رأى الحزب أنه بعد أن علّم شبابه رعاية الشؤون والتحليل، فلن يبقى إلاّ معرفة الناس للشباب، وسيرهم معهم، وطاعتهم لهم، وهذا لا يتأتى إلاّ إذا لفت كل شاب نظر الناس إلى نفسه، بأي وسيلة من الوسائل. فالحزب يرى أن القيام بالأعمال للناس هي الوسيلة للفت نظر الناس له، لذلك قال بالأعمال، أي بالقيام بالأعمال للفت نظر الناس. والحقيقة هي أن الحزب يقصد أن يقول للناس إن السياسيين هم شباب الحزب لا غير، هذه المعرفة هي المقصودة بالأعمال. فإذا كان أحد الشباب يرى أن هناك وسيلة أخرى تنتج أكثر من القيام بالأعمال، فليتبع هذه الوسيلة. فالمقصود ليس القيام بالأعمال، بل المقصود هو التفاف الناس حول شباب الحزب وتسليم أمرهم لهم وحدهم، وجعلهم هم القادة، وهم السياسيين، وهم أهل القدرة لتحقيق غاياتهم. ولكن الحزب يرى أن الوسيلة المنتجة هي أن يقوم الشباب بأعمال تلفت نظر الناس لهم، فإن هذه هي الأساس وهي كل شيء، لذلك قال ولا يزال يقول: إن قيام الشباب بأعمال هو الذي يلفت نظر الناس لهم، لذلك لا بد أن يقوموا بأعمال، ولا يمكن للحزب أن يعطي ولو أمثلة عن هذه الأعمال، لأنه لا حصر لها، ولأنه لا يريد أن يلفت نظر الشباب بأعمال معينة، لئلا يتمسكوا بها ويقفوا عندها، مع أن الأعمال أكثر من أن تحصى، فمثلاً: جارك يريد أن يسجل أولاده بالمدرسة، فإذا قمت بهذا العمل أو ساعدته به، ثم أثناء ذلك لفتّ نظره إلى ما ينبغي على الدولة فعله في هذا السبيل، فإنك تكون قد قمت بعمل سياسي، وأفهمته رأيك، وفي نفس الوقت جرحت الحاكم وألقيته أرضاً، فصار من تسجيل الأولاد له يعرفك أنك سياسي، ولا يثق إلاّ بك وبكلامك وبآرائك. وبذلك صرت معروفاً عند هذا الرجل ومن معارفه وجيرانه أنك سياسي محترف، ومثلاً: إذا أراد سائق أخذ رخصة وكان لا بد له من أخذ التأمين، سرت بأخذ الرخصة ورفضت التأمين لأنه لا علاقة له بالرخصة، وبيّنت للرجل حرمة التأمين، وضرره، رفضه لهذا العمل وهو أخذ الرخصة مع حرمة التأمين، لفت نظر الشخص إلى عملك وإلى رأيك وإلى أنك سياسي، وهو ولو لم يأخذ الرخصة عن طريقك، ولكنك في عملك هذا قد بينت السياسة كما هي. وهكذا كل عمل، فالمقصود هو لفت نظر الناس إلى أن السياسة هي ما ترى وما تريد، وأن يقوم به الناس أو السياسيون إن هو إلاّ قضاء المصالح حسب رأيهم، وحسب نظامهم، لا قضاء الحاجات ولا رعاية الشؤون، وهكذا تكون قد لفتّ نظر الناس إلى السياسة وإلى السياسيين.

والمقصود هو تعريف الناس بالسياسي، وأن السياسة هي ما تَرى لا ما يراه الناس ولا ما يراه السياسيون، فالأصل هو أن يعرف الناس أنك سياسي، وأن السياسة هي ما ترى وما تقول وما تفعل، هذا الأصل لا يُتوصل إليه إلاّ بأعمال معينة يقوم بها كل فرد من الشباب. وهذه الأعمال السياسية، وإن كانت الدولة هي التي تقوم بها، ولكنك يجب أن تقوم بها الآن لأن الدولة لا تقوم بها، ولأنها تسمح للناس أن يقوموا بها، فعليك القيام بها، ولكن ضمن صلاحيات كل فرد سواء أكانت مما يجب أن تقوم بها الدولة، أو كانت مما يجب أن يقوم به الفرد لنفسه، فكلها لا بأس بالقيام بها، لأن الدولة تجيز القيام بها، ولأنها من الأمور الفردية، لذلك لا بد من القيام بها.

إن انتظار الشباب لقيام الدولة يعني أن نغير المجتمع، فيتغير لهم وبهم، ولكن الوضع هو أن الدولة حين تقوم يكون الشباب معروفين، فلا يحتاجون لتغيير الموقف، ولا بتغيير النفوس، بل مجرد وجودهم يعني شيئاً يعرفه الناس. لذلك لا بد أن يعرف الناس أن هؤلاء الشباب سياسيون، وأن رأيهم هو السياسة، حتى لو لم يعرف الناس أن السياسة هي فن الممكن مقابل المستحيل. لأن الشيء حينئذ يكون ممكناً، أي فن الممكنات، ولا يكون مستحيلاً، فالمقصود هو أن السياسة هي رعاية شؤون الناس، فهو يحلل جيداً ويرعى شؤون الناس جيداً، فما عليه إلاّ أن يعرفه الناس أنه سياسي، ويعرّف السياسة بأنها فن الممكنات، أو فن الممكن بمعنى واحد، وهو رعاية الشؤون.

فالآن مثلاً: جرى تغيير وضع حزب الأحرار في اليابان من أجل فضيحة لوكهيد. فالشاب يعرف أن هذا الوضع هو لتقوية أمريكا في اليابان وليس لإضعاف حزب الأحرار. هذه المعرفة من الشاب إذا حكاها للناس عرفوه، ولكن إذا قام لهم بعمل وأثناء العمل علق على الخبر برأي استحسنه ذلك الشخص الذي قام بالعمل له، واعتنقه وصار يفهم الأخبار بحسبه، فالشاب بقيامه بالعمل لفت نظر الناس إلى نفسه بأنه سياسي ولفت نظر الناس إلى فهمه وإدراكه، ورأيه في الأمور الجارية، فعنده أمران لا بد من العمل للوصول إليهما: أحدهما: معرفة الناس للشباب بأنهم سياسيون، ومعرفة الناس لرأي الشباب بأنه هو السياسة. وهذا لا يتأتى إلاّ بالأعمال أو يتأتى لهم بالقيام بالأعمال. فالمهم هو أن يعرف الشباب أن الحزب يريد منهم أن يحتلوا الآن قبل قيام الدولة وبعدها مكان السياسيين، ومكان القادة، وأن يجعلوا الناس يعرفون السياسة كما هي لا كما يخطط لها. أي أن يعرف الناس، السياسة في واقعها وأن يعرفوا من هم السياسيون، وبذلك ينصرفون عن السياسة وعن السياسيين القائمين لها. فيجب أن يُدرِك الشباب ما يلي:

1- يجب أن يعمل الشباب لإفهام الناس معنى السياسة ومن هم السياسيون.

2- الطريقة الوحيدة لإفهام الناس ذلك هي أن يقوم كل شاب بعمل للناس، سواء للأفراد أو للجماعات، وأثناء قيامه بالعمل، يعطي هذا الفهم، إما بالكلام ولكن لا بالوصف والإرشاد، وإما بالفعل، بالأعمال التي يقوم بها، وبذلك يصل إلى أمرين: أحدهما التفهم أي تفهيم الناس السياسة ما هي، والسياسي من هو، الثاني أن يضرب الحاكم والسياسة عملياً في أقواله وفي أعماله.

3- القيام بالأعمال لا يصح أن يضرب له مثل، وهو عام وشامل، فيمكنه أن يقوم بكل عمل، سواء أكان مما يجب أن تقوم به الدولة، أو مما يقوم به الفرد نفسه.

4- الأعمال التي يقوم بها هي وسيلة وليست غاية، والمقصود منها هو أمران: تفهيم الشعب والناس ما هي السياسة، والثاني هو تفهيم الناس من هم السياسيون، بغض النظر عما إذا ضرب الدولة أم لا، وإن كان المهم هو ضرب الدولة.

5- الغاية من وجود الشاب هو خدمة الإسلام، ولكن لا بتثقيفه ولا بتعليم الناس له، بل برعاية الشؤون بحسبه، فخدمة الإسلام هي رعاية الشؤون بحسبه، وأن يعرف الناس أنه يرعى الشؤون بحسبه. هذه هي الغاية، فالغاية المقصودة التي يجب أن يتصورها كل مسلم هي رعاية شؤون الناس حسب أفكار الإسلام وأحكامه.