بسم الله الرحمن الرحيم
الكلمة الشهرية:
العقيدة الإسلامية فكرة سياسية
العقيدة الإسلامية فكرة سياسية، فهي من الفكر السياسي، بل هي أساس الفكر السياسي لدى المسلمين. وحزب التحرير حزب سياسي مبدؤه الإسلام. يعني أن العقيدة الإسلامية عنده فكرة سياسية، والحزب هو مجموع الأعضاء، ومجموع الأجهزة، فالأصل في الحزب أن يكون سياسياً وقام على أساس سياسي، فأعضاؤه سياسيون بطبيعتهم، غير أن الإسلام وقد انتهى من كونه سياسياً، وصار ديناً منذ أن هُدمت الخلافة، لذلك لم يشعر الناس أن أعضاء الحزب هم سياسيون، وصاروا ينظرون إليهم بأنهم حملة دعوة، لكن الحقيقة أنهم حملة دعوة وسياسيون في وقت واحد. ولكن الاستعمار من حيث هو شرقياً كان أو غربياً لا سيما الغرب، فإنه واعٍ على خطر الإسلام، ولذلك حاول إبعاد الناس عن الحزب وعن أفكاره، وعن كون أعضائه سياسيين، وأوجد للسياسة مفهوماً واقعياً. لذلك ظل السياسيون متربعين على عرش السياسة، وظل شباب الدعوة بعيدين عنها. فالسياسة بمفهوم النص الذي أوجده لدى المسلمين، والذي عليه يسير السياسيون هو الواقعية، والتقيد بها، فالسياسة عنده هي فن الممكنات أي حسب الواقع، وصاروا يسمون ما هو ليس بالواقع أو الواقعية خيالاً أو أوهاماً، والحزب حين عرف السياسة بأنها فن الممكن شرحها، وهي بعبارة مختصرة فن الممكن بمعنى فن المستحيل. فالمستحيل ليس سياسة، والواقع والواقعية هي كذلك ليست سياسة، لأنه ضد التاريخ. ولولا تغير الأشياء حسب الممكنات لما وجد سياسة، ولما وجد تاريخ. فالتاريخ هو تغيير الواقع بواقع غيره، فالسياسة هي فعلاً فن الممكن مقابل المستحيل، وذلك حتى يصلح إصلاحاً، ويوجد تاريخاً، ولكن الفرق بين أيام الرسول وأيامنا أنه عليه السلام حين كان ينظر إلى السياسة بأنها فن الممكن لمعنى غير المستحيل، أوجد الإسلام مكان الشرك، وكانت أفكار الإسلام وأحكامه هي التي تعالج مشاكل الناس ووُضعت مكان أفكار الشرك وأفكار الكفر كله. فكما أن المشركين كانوا بأفكارهم يتحكمون بالناس ومصالحهم ورعاية شؤونهم، كذلك كانت أفكار الاستعمار تتحكم بالناس ومصالحهم ورعاية شؤونهم، إلاّ أن المشركين كانوا مخلصين لأنفسهم، فكانوا يرون حقيقة أن أفكارهم هي التي تعالج مشاكل الحياة، أمّا الاستعمار ولا سيما الغربي، فإنه مع كونه مخلصاً لنفسه، ولكنه جعل الناس في هذه المنطقة، أي المسلمين، مخلصين له ولأفكاره، وبعد الحرب العالمية الثانية حين سارت أمريكا مع روسيا في التحرر والاشتراكية ومصالح الشعوب، صار الناس يأخذون أفكار الاستعمار، ولا سيما أفكار الاستعمار الشرقي كأنها أفكار ويخلصون لها ولأنفسهم، إلاّ أن المنطقة، وهي من العالم الحر، أي من نصيب الاستعمار الغربي، فإن الناس ظلوا مخلصين للاستعمار الغربي، وظل السياسيون تابعين للمعسكر الغربي أو الاستعمار الغربي. لذلك ظل الناس ينظرون إلى السياسيين الذين يقولون إن السياسة هي فن الممكنات بأنهم هم السياسيون، وظل الناس بعيدين عن السياسة بالمعنى الإسلامي مع كونهم مسلمين، وظلوا مع الاستعمار الغربي، مع كونهم يكرهونه ويريدون التخلص من سيطرته، لذلك فإن المشكلة هي في الناس، فلا بد من التغلب عليها.
حين وُجد حزب التحرير كان شبابه الأوائل يفهمون عن أنفسهم أنهم هم السياسيون، ولكنهم ظلوا بعيدين عن الناس، فرأى الحزب أن يوجِد الدولة ثم يوجِد السياسيين من شبابه ومن غيرهم حسب فهمه للسياسة، ولذلك سار في إيجاد الدولة سراً دون أن يستعين بشبابه حتى يروا السير واقعاً فيسهل عليهم معرفة السياسة، ولكن الحزب طال وقته في أخذ الدولة، ومضى عليه أكثر من عقد وهو يشتغل لإقامة الدولة، فصار لا بد أن يُعنى بشبابه لأن يكونوا سياسيين، ولا ينتظر حتى توجَد الدولة. صحيح أن الحزب قد حمل شبابه على تنزيل الفكر على الواقع، ولكن هذا كان بمثابة تهيئة ولم يكن عملاً من أعمال صنع السياسيين، فكان لا بد أن يعمل عملاً يصنع به السياسيين. لذلك لما فشل الحزب في أخذ الحكم في الأردن، وكان فشله هذا خيراً عليه فكأنه تعثر في إيجاد الدولة، فقام بأعمال من أعمال صنع السياسيين، فحمل شبابه على رعاية الشؤون، وهذا عمل سياسي، وحملهم على كتابة التعليقات السياسية، وكان هذا عملاً سياسياً. وكان يكتفي بالتعليق السياسي بجعل الشباب يقومون بالتعليق السياسي على كل حادث، ثم صار يصدر تحليلاً سياسياً خاصاً بالشباب. وظل كذلك إلى أن صار شبابه يرعون الشؤون اليومية، وصارت رعايتهم في مناقشاتهم جيدة، وفهموا أن تنزيل الفكر على الواقع إذا رُبط بالدولة صار سياسة، وإذا لم يُربط بها ظل فكراً ومعالجة، ثم صار الشباب يقومون بتحليلات سياسية رائعة، وبعضها يحتوي على معلومات جيدة تدل على تتبع الأحداث السياسية، والأخبار السياسية، وبذلك صار الشباب بطبيعتهم سياسيين، لذلك أوقف الحزب التحليل السياسي، وترك للشباب أن يكونوا سياسيين، ولكن ظلت لجنة الولاية تعتبر كسائر الشباب إلاّ أنها تنظر في إدارة الدعوة، وقليلاً ما تنظر برعاية الشؤون وتحليل الأخبار، ومع ذلك برز على الشباب وعلى لجنة الولاية كأفراد أنهم سياسيون، ولكن الناس لا يعرفون عنهم أنهم سياسيون، ولا يعرفون عن أنفسهم أنهم سياسيون. فلا بد أن نقوم بأعمال تدل على أننا سياسيون، وأن الناس لا يفهموننا، ولا بد من تفهيمهم ذلك عملياً، لذلك صار لا بد أن نقوم بالأعمال.
صحيح أن الناس غارقون بالأفكار الغربية، ومن الصعب صرفهم عن السياسيين، ولكنه كذلك، صحيح أن السياسيين أفلسوا. وصحيح أنه ظهر للناس سوء نية الغرب وضرر أفكاره، فصار لا بد من القيام بأعمال حتى يتأكد الناس من صحة ما يرونه من تفاهة السياسيين ومن ضرر الغرب، وإلاّ فإنهم سيظلون متعلقين بالسياسيين التقليديين وبأفكار الغرب، فالمسألة هي أنه لا بد من صرفهم عن السياسيين، وعن أفكار الغرب، وهذا لا يتم إلاّ بالقيام بأعمال.
إن شباب حزب التحرير صاروا سياسيين، فإنهم يرعون شؤون الناس بمهارة، فهم يُنزِلون الفكر على الواقع، ويربطونه بأعمال الدولة، وهم يحللون الأخبار سياسياً تحليلاً جيداً، والواحد منهم في حقيقته وواقعه خير من السياسيين في السياسة، وفي رعاية الشؤون، ولكنهم غير معروفين عند الناس بأنهم سياسيون، وهذا هو الذي يؤخر وصول الحزب إلى الحكم. فالحكم لا يكون إلاّ من السياسيين، شباب الحزب غير معروفين عن الناس جماهيرياً بأنهم سياسيون، لذلك ينظرون إلى كلا منهم بأنه خيال، ولا ينظرون إليه نظرة سياسية. فالمسألة أضحت متعلقة بالشباب أنفسهم، ليعرفوا الناس أنهم هم السياسيون، فعليهم أن يقوموا بأعمال يعرفون أنفسهم وإلاّ ظلوا بعيدين عن الناس حتى يظهر كل شيء وتوجد الدولة، وهذا علمه عند الله، ومهما حصل من جد لإيجاده، فإن الحاجة إلى أن يصبح الشباب في نظر الناس سياسيين أولى وأجدى وأهم من كل شيء، لذلك لا بد أن يعرف الناس أن شباب الدعوة سياسيون، سواء كانوا أعضاء في حزب التحرير، أم دارسين، أم مؤيدين، أم عاشقين.
فالمسألة إذن مسألة هامة، وهي أن يصبح شباب الدعوة سياسيين لدى الناس، وهذا إنما بقيامهم بأعمال. صحيح أن الأعمال لا بد أن يقوم بها الحزب، ولكن الحزب في نشره للتعليقات والنشرات إنما يقوم بأعمال، ومع ذلك هذه الأعمال دلت على أن الحزب حزب سياسي، ولكنها لم تدل على أن كلا من أعضاء ولاية أو عضو قيادة، بأنه من السياسيين، فصار لا بد أن يقوم الأفراد بأعمال، لا الحزب، هذا إذا اقتصرنا على طريقة جعل الشباب سياسيين، وهي أن يقوموا بأعمال. علاوة على أن الحزب قد أمرهم برعاية الشؤون، وأمرهم أن يحللوا الأخبار السياسية، أمّا معرفة الناس لهم فقد جربها فلم تجدِ نفعاً. لذلك لا بد أن يقوم الشباب أفراداً بأعمال حتى يتبين للناس أنهم سياسيون. فالمسألة ليست راجعة للحزب، ولا للناس، بل راجعة للشباب أنفسهم، لذلك لا بد أن يقوم كل شاب بأعمال تدل على أنه سياسي، وسوى ذلك لا يكون قد أعلم الناس بأنه سياسي. قد يدل غيره عليه، ولكنه إذا دل على نفسه يكون أقوى وأكثر تأثيراً، فالمشكلة الآن ليست أن يكون الشباب سياسيين، فهم أو غالبيتهم هم سياسيون بكل شيء، بل المشكلة أن يعرف الناس أنهم سياسيون، وهذه لا يكفي أن يدل أحدنا الناس على فلان بأنه سياسي، بل فلان نفسه يعرّف الناس بأعماله بأنه سياسي. وسوى ذلك لا يمكن أن يعرف الناس أننا سياسيون.
صحيح أن الإسلام هو سياسة، وحامله سياسي، ولكن ذلك كان حين كانت الخلافة على كل ما فيها، ولكن منذ أن ذهبت الخلافة، بَعُد الناس عن السياسة وعن الإسلام، أو بَعُد حملة الدعوة الإسلامية عن السياسة، لا سيما بعد أن جاء الاستعمار، ولكن صحيح أيضاً أن الناس حين غزاهم الكفار وتداعت عليهم الأمم، كانوا مسلمين خاضعين، وكان قد فعل فعله فيهم أفكار الغرب، ولكنهم الآن في عصر النهضة، في عصر الشعوب، في فترة التحرير، فيريدون أن يرفعوا كابوس الغرب، ولا يرفعه عنهم إلاّ أن يكون سياسيوهم غير السياسيين التابعين للغرب، لذلك فإن كون الشباب يعرفهم الناس بأنهم سياسيون، ثم أنهم هم وحدهم السياسيون، يفيد في قيادة الناس أي قيادتهم للناس بالأفكار السياسية، فكون الشباب لا بد أن يكونوا سياسيين، لا ينفع فقط في إقامة الدولة، ولا ينفع فقط في أخذ زمام المبادرة من السياسيين، بل ينفع أيضاً في إنتاج الكفاح السياسي. فثورة لبنان مثلاً قد كفر الناس بالسياسيين، ولكن ظلوا مقودين لهم، لأنهم لم يجدوا غيرهم، ولو كان شباب الدعوة سياسيين في كل مكان لكانوا في لبنان، وذلك لأنهم حملة دعوة، وحملة فكر، وليسوا سياسيين، لم يستطيعوا أخذ قيادة الناس بالفكر، ولم يستطيعوا الوقوف في وجه الغرب، لأن الناس ليس لهم قادة سياسيون، فلا بد أن ينتقل الشباب كلهم في كل مكان لتصدّر حل مشاكل الناس عملياً، ولا بد أن يكونوا سياسيين، بل هم وحدهم السياسيون فلا بد أن يعرف الناس أنهم سياسيون، أمّا كيف يعرف الناس، فهذا هو موضع البحث، مهما تبادر للشباب من تصورات عن الناس، فإن ذلك صحيح ولكن الصحيح أيضاً أن الناس هم بطبيعتهم يعرفون السياسة. فلو رأوا أعمالاً من الأفراد لتعلقوا بهم، ولكنهم لا يرون إلاّ كلاماً ومواعظ وإرشادات، ووعوداً من السماء، واتكالاً على الله، والطلب منه، وخلط العقيدة بقوانين الله. لذلك لا يصدقون كلامهم لأنه لا واقع له، ويظلون بعيدين عنهم. فالمسألة أصبحت لدى الناس تتعلق بقناعاتهم، فالناس قانعون بأن ما يقوله شباب الدعوة صحيح، وأنه لا يوجد غيره، ولكنهم قانعون كذلك بأنه لا يخلص وأن هؤلاء هم أهل كلام، لذلك يقفون منهم بأنهم طيبون، ولكنهم لا يولونهم قيادتهم، ولا يؤمنونهم على مستقبلهم، لذلك لا بد أن يقوم الشباب بأعمال سياسية أمام الناس حتى يصدق الناس أن هذا الشاب سياسي، فيولونه ثقتهم ويؤمنونه على مستقبلهم، ويثقون به وبقدرته على العمل. لذلك لا بد أن يقوم الشباب أمام الناس بأعمال سياسية، حتى يثقوا بهم.
أمّا هذه الأعمال ما هي فإنه يصعب تحديدها، ويصعب تصويرها، بل الواقع هو الذي يحكم عليها، فالأعمال يكفي أن يقال إنها أعمال سياسية، ويكفي أن يقال إنه لا بد من القيام بهذه الأعمال.
15/11/1976