بسم الله الرحمن الرحيم

الكفاح السياسي

الكفاح السياسي هو الدخول في صراع مع صاحب السلطان ومن بيده مقاليد الأمور، وكفاحه بما هو دون الصراع الدموي والأعمال المادية بقصد التغيير الكلي أو الجزئي تقوم به فئة من رعيته. والكفاح السياسي قديم قِدَم الجماعات المنظَّمة على شكل قبائل ودول، فمنذ أن وُجدت تلك الجماعات وُجد فيها من يخرج عليها ويعمل على تغييرها جزئياً أو كلياً، فهذه فئة تخرج على المعتقدات والتقاليد وتلك تسعى لرفع الظلم وأخرى لاستلام الرئاسة، وإنه إن استُعمل بعض الوسائل المادية والصراع الدموي لتحقيق غاياتها إلا أن البعض الآخر سلك طريق الكفاح السياسي. فالصراع بين فئتين، فئة على رأس الكيان السياسي بيدها مقاليد الأمور ومعها الناس وتحت تصرفها القوة تدافع عن الواقع المتمثل في معتقداتها ونظامها وتقاليدها ومركزها، وفئة ضعيفة ناشئة تعمل لجر الناس حولها وحول مطالبها من أجل التغيير. فالكفاح السياسي القائم على الفكر حوار فكر وحوار إرادة، لا بل صراع فكر وصراع إرادة. وقوة الإرادة ليست بأقل أهمية من قوة الفكر، إذ لا جدوى من الفكر إذا لم يحمله أحد للتغيير به، ولا مجال للتغيير إذا كان حامل الفكر ضعيفاً. وقوة الإرادة تعني التصميم على التغيير والثبات على ذلك واتخاذ المواقف الصلبة في معترك التحدي، إذ من الطبيعي أن يستعمل صاحب السلطان ما لديه من قوة وما يملك من قدرات لشل حركة التغيير وتجميدها بل للقضاء عليها واقتلاعها من جذورها بحيث لا تترك أثراً، فيرغّب ويرهّب، ويَعِد ويتوعد، ويستعمل التعذيب والتجويع، بل ويتفنن في ذلك، وهنا يبتلى دعاة التغيير وتُمتحن إرادتهم، فإنْ هم وَهنوا وضَعُفوا ذَوَت دعوتهم واندثرت وإن هُم صمدوا وصبروا فقد بلغوا غايتهم.

وحزب التحرير حزب سياسي يقوم على العقيدة الإسلامية ويحمل الإسلام بالطريق السياسي للوصول إلى غايته، أي بالصراع الفكري والكفاح السياسي، ولبلوغه غايته لا بد من توفر مقتضيات الكفاح السياسي بشكل عام من إيمان بالمعتقَد وقوة في الإرادة وصلابة جلية في المواقف، ولا بد أن تظهر هذه ليس في الحزب فحسب وإنما في كل شاب من شبابه. فالحزب في عمله يتصدى لقيادة الأمّة وأخذِها من الحاكم، والأمة لا تقاد بالفكر وحده، فهي لا تنظر بالفكر بمعزل عن شخصية القائد، وهي تعشق الكفاح والنضال وتفتتن بالرجولة وتطرب للبطولة وتتغنى بقصصها حتى ولو صدرت عن قطّاع طرق، ولذلك فهي تتفحص شخصية القائد قبل أن تسلمه قيادتها مفتشة عن العيوب والنقائص ومواطن الضعف، والأمّة لا تسلم قيادتها لجبان ولا لضعيف أو متخاذل.

والشباب حملة الدعوة الإسلامية يعملون بالإسلام وللإسلام، فلا بد من الرجوع للقرآن الكريم والسنّة الشريفة وسِيَر الصحابة رضوان الله عليهم لنرى كيف تُحمل الدعوة الإسلامية وكيف حُملت لنعرف كيف تكون مواقفنا في كفاحنا. لقد جاءت العقيدة الإسلامية لا تنفصل عن الصراع الدموي والصراع الفكري، فهي تبني شخصية المسلم، شخصية جهاد وقتال وشخصية كفاح ونضال، فهي تنبذ ما سواها وتًحمل للناس كافة بغض النظر عن أديانهم ومعتقداتهم ومراكزهم لتصبح المعتقَد الوحيد، وحملها واجب ودائم في كل وقت وفي كل زمان ما دام هناك مسلم.

وقد تتالت الآيات والأحاديث تبين أن حمل الدعوة الإسلامية يقتضي تحدي كل ما سواها تحدياً سافراً دون خوف أو وجل، وقد ضُربت الآيات في ذلك ليسير المسلمون على اثرها في التحدي فخاطبت الكفار بمنتهى الشدة تقرع مسامعهم كأنها قصف الرعد (إنكم وما تَعبدون من دون الله حصب جهنم) (تبّت يدا أبي لهب وتبّ) (ولا تُطع كل حلاف مهين همّاز مشّاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عُتُل بعد ذلك زنيم)، وبينت أنه لا يجوز التنازل عن شيء من المبدأ فكرة أو طريقة أو غاية، فقد حرص الكفار على مساومة الرسول صلى الله عليه وسلم لثنيه عن شيء مما جاء به ولكنّ رفضه كان قاطعاً وثباته كان حازماً. كما بينت الآيات والأحاديث أن حمل الدعوة يقتضي عدم المداهنة أو المهادنة، ففي المداهنة والمهادنة بداية القعود عن الكفاح والانحراف عن الغاية بل والانصراف عنها (ودّوا لو تدهن فيدهنون)، وبينت أن التحدي إنما يكون أعنف والقول أبلغ عند المواجهة (وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً)، ولمّا جاء أُبي بن خلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل في يده عظاماً نخرة يسأله إن كان الله سيبعثه بعد أن يكون كالعظام التي في يده، فلم يكتفِ الرسول صلى الله عليه وسلم بإعطائه الجواب بالإيجاب، وإنما أخبره أن الله سيبعثه وسيدخله النار (نعم يبعثك ويدخلك جهنم).

ولمّا كان حمل الدعوة الإسلامية يُحمل معه الأذى من استشهاد وتجويع وتشويه وتعذيب سواء كان ذلك في معترك الصراع الدموي أم في معترك الصراع الفكري والكفاح السياسي، فقد جاءت الآيات والأحاديث تهدد وتتوعد المتخاذلين وتَعِد وتُمَنّي الصابرين، حاثّة على الصبر، واعدة بالنصر في الدنيا وجنة عرضها السموات والأرض في الآخرة، فأسهبت في وصف النار وعذابها وفي وصف الجنة ونعيمها، مبينة أن ما يصيب المسلم إن هو إلا ابتلاء فيه أجر كبير، قال تعالى: (ألم أَحَسِب الناس أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون ولقد فتنّا الذين من قبلهم فلنعلمنّ الذين صدقوا ولنعلمنّ الكاذبين) وقال: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مَثَل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضراء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) وقال جل مِن قائل: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) وقال صلى الله عليه وسلم: (حُفّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات) وقال: (الأجر على قدر المشقة) وقال: (كونوا كأصحاب عيسى نُشروا بالمناشير وسُمروا على الخشب فوالذي نفس محمد بيده لموت في طاعة الله خير من حياة في معصية الخالق). وجاء القرآن الكريم يقص سير الأنبياء ومن آمنوا والمشاق التي قابلتهم والمحن التي ابتُلوا بها وما لاقوه من عنت واضطهاد من أقوامهم تثبيتاً للمسلمين وشداً من أزرهم حتى يتحقق النصر (قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم علينا قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود). ومن هنا لم يكن غريباً أن يَثبُت الصحابة رضوان الله عليه بمن فيهم من عبيد وموالٍ ورعاة خرجوا على ساداتهم. لقد صبروا على الجوع والتشرد والتعذيب والاضطهاد، ولا حاجة لذكر ما لاقوه من عنت ولا ما أصابهم من جوع في شِعب أبي طالب ولا لإعادة ذكر قصص آل ياسر وخُبيب وزيد بن الدثنة ما ضاقت به كتب السيرة، فكلها معروفة، كما لا حاجة لذكر ما لاقاه أعضاء الحزب الشيوعي على أيدي القياصرة، ولا ما أصاب دعاة التغيير في فرنسا قبل الثورة الفرنسية في سجن الباستيل وغيره من السجون التي اكتظت بهم على كثرتها، ولا أولئك الذين ثبتوا في وجه الظلم في أوروبا حتى استطاعوا أن يغيّروا وجه أوروبا بالصراع الفكري تارة وبالصراع الدموي تارة أخرى.

صحيح أن الآيات والأحاديث تتالت في رفع شأن الجهاد في سبيل الله لخوض معترك الصراع الدموي فحثّت وأجزلت الثواب وأعطت الشهيد منزلة يتمناها كل مسلم ويحلم بها كل مجاهد جعلت المسلمين يحرصون على الشهادة في سبيل الله، ويتسابقون في ذلك لما فيه من مسارعة إلى الجنة، ولكن الآيات والأحاديث ليس فقط لم تغفل الكفاح السياسي وإنما عظّمت من شأنه ورفعت من درجته وجعلته من أجلّ الأعمال، فآيات وأحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاسبة الحكام التي تحث المسلمين على القيام به والتشدد بالمطالبة لما في القيام به من منفعة للمسلمين عامة ولِما في القعود عنه من مضار جسيمة كثيرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر) ولم يكتفِ ببيان درجة الكفاح السياسي وأنه من أعظم درجات الجهاد وإنما بيّن المنزلة الرفيعة التي يحظى بها المكافح الذي يبيع نفسه في ذلك الكفاح فقال: (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنصحه فقتله) والحديثان الشريفان لا يدلان على عظم درجة الكفاح السياسي والمنزلة التي يحتلها المكافح فحسب وإنما أيضاً يدفعان إلى المواجهة والمجابهة، فعند سلطان جائر تعني في مجلسه وفي حضرته، وقام إلى إمام جائر فنصحه تعني واجهه بالنصيحة وقالها له في وجهه، وهكذا فإن باب الجنة الذي ولج منه آل ياسر لم يوصد في وجه غيرهم من المسلمين والقمّة التي اقتعدها حمزة رضي الله عنه لِما أبداه من بطولة في معترك الصراع الدموي لم تُقصر عليه وإنما هي رحبة تتسع لكل أولئك الذين يفقدون حياتهم في معركة الكفاح السياسي والذي يَصبُو للجهاد لا شك يصبو لدرجة من أعظم درجاته، والذي يطمع أن يموت شهيداً يطمع أن يكون بمنزلة سيد الشهداء.

هكذا يكون الكفاح السياسي وهذه مقتضيات السير فيه، وهكذا تُحمل الدعوة الإسلامية وهذه مقتضيات حملها، وهكذا يجب أن يسير الشباب في كفاحهم السياسي، وهكذا يجب أن يحملوا الدعوة الإسلامية، قوة في العقيدة، التزام تام بالمبدأ، قوة في الإرادة ومضاء في العزيمة، صلابة في المواقف بلا مداهنة ولا مهادنة، وتجلّي هذا كله بأبهى الصور إنما يكون عند لقاء السلطة، ففيها يجزل الثواب وتُمنح أعلى الدرجات في الجنة ويُسار بالكتلة نحو تحقق الغاية، فمواقف الشباب عند لقاء السلطة يجب أن تتصف بالنضالية والتحدي والثبات على المبدأ وعلى السير في طريق الكفاح، وهذا لا يكون بالسباب والشتائم، وإن كان لا يُمنع منها بالشكل اللائق، وإنما يكون بعدم التنازل عن شيء وبعدم إعطاء أية معلومات عن الشباب وعن الكتلة كائنة ما كانت، ولا يَرِد أن يقال أن يعطيهم المعلومات المعروفة لديهم لأن ذلك لا يضر الكتلة، لا يَرِد أن يقال ذلك لأن مجرد إعطاء المعلومات يتنافى مع النضال والكفاح السياسي وفيه إذلال للشباب ونزول بالحزب عن مستواه في أعين السلطة وأعين الناس وإلا لَما حرِصت السلطة على أخذ معلومات عن الشباب معروفة لديهم. ليس هذا فحسب، وإنما يجب أن يقول لهم في أنفسهم قولاً بليغاً يزلزل كيانهم ويجعل الذعر يدبّ في قلوبهم فيدفعهم للتفكير في واقعهم والخشية من غدهم (إن الذين فَتَنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق) (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) (وقالوا ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا). ففي صلابة مواقفكم هذه إذلالهم واستنزاف لمعنوياتهم، فلا تخشوهم بل شدّدوا النكير عليهم فإنهم يحاربون في معركة خاسرة في خندقهم الأخير، إن هي إلا هزة واحدة توقِع الحجر الأول من حجارة الدومينو فتتبعه الحجارة الأخرى، وإن نصر الله لآتٍ، وإن نصر الله لقريب، ويومئذ يفرح المؤمنون بإذن الله.