بسم الله الرحمن الرحيم
الجدية في التفكير
والمفكر سواء أكان سطحياً أو عميقاً أو مستنيراً لا بد أن يكون جاداً في تفكيره. صحيح أن المفكر السطحي لا تساعد سطحية تفكيره على الجدية، ولكنه في بعده عن العبث وفي بعده عن العادة يمكن أن يكون جاداً. والجدية لا تحتاج إلى عمق، وإن كان العمق يدفع إليها، ولا تحتاج إلى استنارة وإن كانت الاستنارة تقتضيها، لأن الجدية هي وجود القصد، والسعي لتحقيق هذا القصد إلى جانب حسن التصور لواقع ما يفكر به. فالتفكير بالخطر ليس بحثاً فيه، وإنما هو لاتقائه، والتفكير بالأكل ليس بحثاً فيه، وإنما هو للحصول عليه. والتفكير باللعب ليس بحثاً في اللعب، وإنما هو من أجل أن يلعب. والتفكير بالنزهة ليس بحثاً في النزهة، وإنما هو من أجل أن يتمتع بالنزهة. والتفكير بالسير إلى غير هدف، ليس تفكيراً بهذا السير، وإنما هو من أجل طرد السأم والملل. والتفكير بوضع القانون ليس بحثاً في القانون نفسه، بل هو من أجل وضع هذا القانون. وهكذا كل تفكير مهما كان نوعه، هو تفكير بالشيء أو تفكير بالعمل بذلك الشيء. فالتفكير بالشيء لا بد أن يكون من أجل معرفته، والتفكير بالعمل بذلك الشيء إنما يكون من أجل العمل به، وفي كلتا الحالتين لا يصح أن يدخل العبث في أي واحد منهما، ولا تتحكم عادة التفكير بالشيء أو بالعمل به في ذلك التفكير، فإذا أبعد العبث وابتعدت العادة، فإنه يوجد التفكير الجاد، لأنه حينئذ من السهل إن لم يكن من المحتم أن يوجد القصد والسعي لتحقيق هذا القصد. ومن السهل بل من المحتم أن يوجد التصور لواقع ما يقصده؛ أي لواقع ما يفكر فيه.
وعليه فإن الجدية ممكن أن تكون في التفكير السطحي، كما توجد في التفكير العميق والتفكير المستنير، وإن كان الأصل في التفكير العميق والتفكير المستنير أن تحصل فيه الجدية. إلا أن الجدية ليست لازمة للتفكير، بل إن أكثر تفكير الناس خال من الجدية. فهم يقومون بأعمالهم عن طريق العادة وبحكم الاستمرار، والعبث في تفكيرهم موجود بشكل بارز. ولذلك فإن الجدية لا بد من أن تصطنع اصطناعاً، والقصد أساس لها، والاصطناع هو نفس القصد. ومن هنا يجب أن يقال أن الجدية غير طبيعية حتى لو لوحظ على بعض الناس أنه جدِّي طبيعياً.
إلا أن الجدية التي نعني ليس مطلق الجدية، بل الجدية التي تكون في مستوى ما يفكَّر به، فإن كان دون مستواه لا تعتبَر جدية، فالشخص الذي يفكر بالزواج ثم لا يعنى بما يحقق الزواج لا يكون جاداً في تفكيره بالزواج، والشخص الذي يفكر بالتجارة ثم ينفق كل ما يربحه من البيع ليس جاداً في تفكيره بالتجارة، والشخص الذي يفكر بأن يكون قاضياً ثم لا يعمل إلا بالسعي لأن يوظف في منصب القضاء ليس جاداً بأن يكون قاضياً، وإنما هو جاد بأن يكون موظفاً، والشخص الذي يفكر بإطعام عياله ثم يتلهى باللعب والدوران في الأسواق ليس جاداً بالتفكير بإطعام عياله، وهكذا.
فإن الجدية تقضي بأن يعمل لتحقيق ما يقصد إليه، وأن يكون عمله في مستوى ما يقصد إليه، فإذا لم يعمل لتحقيق ما يقصد إليه، ولو الوصول إلى فكر معين، أو يعمل أعمالاً هي دون ما يقصد إليه فإنه ليس جاداً في تفكيره. فقول المرء أنه جاد في تفكيره لا يكفي لأن يكون جاداً، واصطناعه أحوالاً أو مظاهر أو حركات، فكرية كانت أو مادية، لا يكفي لأن يكون جاداً، ولا يكفي للدلالة على الجدية، بل لا بد من القيام بأعمال مادية، وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به حتى يكون جاداً، أو حتى يستدل على أنه جاد في تفكيره. فالقيام بالأعمال المادية وأن تكون هذه الأعمال في مستوى ما يفكر به أمر ضروري حتى توجد الجدية في التفكير، أو حتى يستدل على وجود هذه الجدية في التفكير. والأمم والشعوب المنحطة والأفراد الكسالى أو الذين يتجنبون الأخطار، أو الذين يتملكهم الحياء أو الخوف أو الاعتماد على الغير، فإن هؤلاء جميعاً غير جادين فيما يفكرون به، لأن الانحطاط يجعل المرء يستهوي الأسهل فلا يُعني نفسه بالأشق الأصعب، والكسل يتنافى مع الجدية، واتقاء الأخطار يصرف عن الجدية، والحياء والخوف والاعتماد على الغير يحولون دون الجدية. ولذلك لا بد من رفع الفكر والقضاء على الكسل، وحب اقتحام الأخطار، والتفريق بين الحياء وبين ما يجب أن يُستحيى منه، والشجاعة وجعل الاعتماد على النفس سجية من السجايا حتى توجد الجدية في الأفراد والشعوب والأمم، لأن الجدية لا توجد بشكل عفوي، بل لا بد من اصطناع إيجادها.
أما ضرورة وجود الجدية في التفكير فهو أنه ليس القصد من التفكير هو إيجاد الفكر فحسب، بل يجب أن يكون التفكير من أجل الانتفاع بهذا الفكر أي انتفاع، وبالتالي لا بد أن يكون التفكير من أجل العمل، فالأفكار التي ينتجها العلماء والمفكرون، والمعارف التي يجري التوصل إليها ليست للمتعة فقط، ولا للتمتع واللذة بهذه الأفكار، وإنما هي من أجل الحياة، ومن أجل العمل في هذه الحياة، ولذلك يخطئ من يقول: (إن العلم يُطلب لذات العلم، ولذلك لا قيمة للفلسفة اليونانية لأنها مجرد أفكار يُتلذذ بها، ولا قيمة لأي علم لا يمكن الانتفاع به)، لأن العلم لا يُطلب للتلذذ به، وإنما تُطلب المعرفة للعمل بها في هذه الحياة، ولذلك لا نستطيع أن نقول إن الفلاسفة اليونان ومن قلدهم من العلماء كانوا جادين في تفكيرهم، ولا نستطيع أن نقول إن العلماء المتأخرين عند المسلمين الذين جعلوا علوم البلاغة كالفلسفة كحواشي السعد في علوم البلاغة كانوا جادين في تفكيرهم، لأن هذا التفكير لا يُستفاد منه في الحياة بشيء ما، وليس فيه إلا الاستمتاع بالدراسة والبحث. صحيح أن الشعراء والأدباء لا يُنتفع بتفكيرهم في الحياة، ولكن لا يُنتفع به من حيث القيام بالأعمال وإن كان قد يُنتفع به، ولكن إنتاجهم هو نفسه منفعة، فإن قراءة القصيدة وقراءة النصوص الأدبية كالنثر بأنواعه توجِد لذة وتوجِد انتعاشاً، فهم قد عملوا النصوص، وإن كانت هي نفسها نتيجة تفكير، ولذلك لا يصح أن يقال إنهم ليسوا جادين، بل منهم الجادون المُجيدون، وإن كان فيهم من ليس جاداً ولا مُجيداً. وهذا بخلاف الفلسفة، فإن التفكير بها إنما جاء للوصول إلى الحقائق، وما ورد فيها ليس حقائق ولا يمت إلى الحقائق بِصِلة. وبخلاف علماء البلاغة، الذين ألّفوها على طراز الفلسفة، فإن تفكيرهم إنما كان لمعرفة البلاغة في القول، وليكون الناس بلغاء في القول، وما ورد فيها لا يوجِد بلاغة، ولا يمت إلى البلاغة بِصِلة، ولم يكن إنتاجهم سوى مدعاة للبحث ولذة البحث، دون الوصول إلى الغاية التي أنتجوا من أجلها، لأنهم لم ينتجوا من أجل لذة البحث بل أنتجوا لشيء آخر، ولذلك لم يكونوا جادين في التفكير لا لأنهم لم يصلوا إلى ما يريدون، بل لأن طبيعة ما أنتجوه يستحيل أن يوصل إلى ما يريدون، ولو كانوا جادين في التفكير لما أنتجوا هذه الفلسفة، ولما أنتجوا هذا النوع من علوم البلاغة، لأن الجدية تقتضي القصد، والقصد من شأنه أن يوصل إلى الغاية، فهم لم يقصدوا سوى البحث، مجرد البحث، فهم بالتأكيد غير جادين في التفكير.
والجدية في التفكير لا تستلزم قصر المسافة بين الفكر والعمل، ولا تقتضي طولها، لأن العمل هو نتيجة للفكر، فقد يفكر المرء بالذهاب إلى القمر، وقد تطول المسافة بين هذا التفكير وبين الوصول. وقد يفكر بالأكل، وقد تطول المسافة بين التفكير وبين القيام بالأكل. وقد يفكر بإنهاض أمته، وقد تقصر المسافة بين تفكيره وبين وجود النهضة. فالمسألة ليست بطول المسافة أو قصرها، لأن المسافة بين التفكير والعمل لا ضرورة لأن تكون قصيرة أو طويلة، بل قد تكون قصيرة وقد تكون طويلة، بل المهم هو أن يوجد عمل من جراء التفكير، سواء أوجده نفس المفكر أو أوجده سواه. فالتفكير يجب أن ينتج عملاً سواء أكان كلاماً كالشعراء والأدباء، أو كان أعمالاً كالعلماء في العلوم التجريبية، أو كان خططاً كعلماء السياسة وعلماء الحرب، أو كان فعلاً مادياً كالحرب والأكل والتعليم وغير ذلك من الأفعال.
وعليه فإن التفكير حتى ينتج النتيجة التي فُكر بها لا بد أن يكون جدياً، سواء أنتج بالفعل أم أخفق في الإنتاج، فالجدية أمر ضروري في التفكير، وبدون الجدية يكون التفكير عبثاً في عبث أو لهواً ولعباً، أو رتيباً يسير على وتيرة واحدة، بحكم العادة وبحكم التقليد. والتفكير الرتيب يستمرئ الحياة التي عليها المفكر والحياة التي عليها الناس، ويبعد عن الأذهان فكرة التغيير والتفكير بالتغيير.
12 آذار سنة 1973 من كتاب التفكير