بسم الله الرحمن الرحيم

الأمور التي لوحظت على الشباب وكيفية معالجتها بالرجوع إلى السيرة النبوية:

فقد لوحظ ما يلي:

  1. بعض الشباب في اتصالهم بالناس صاروا يملّون الناس، وبعض الناس صاروا يملّونهم، وصاروا يقومون بالزيارات والاتصالات كفرض واجب عليهم لا بد أن يقوموا به حتى أصبحت المسألة كوظيفة أكثر منها حمل دعوة.

  2. الشباب يتحدثون مع الناس بأفكار إسلامية موجودة عندهم بغض النظر عما إذا كان هناك مناسبة للحديث أم لا، وبغض النظر عن أن هناك واقعاً ينزَّل عليه الفكر أم لا، ويحصل معهم تكرار في الحديث عن الفكر الواحد أكثر من مرة مع الشخص الواحد.

  3. ليس هناك أعمال متنوعة ومختلفة، فكل الشباب عملهم الاتصالات والزيارات، ولا يوجد هناك أعمال يقوم بها الشاب من ذاته وأعمال يكلَّف بها, بل المسألة هي: يأتي تعليق فيكون التوزيع، وقد تصحبه الزيارات والاتصالات، ويأتي تكليف فتكون الزيارات والاتصالات، وإذا لم يأتِ شيء لا يحصل عمل.

  4. الزيارات وبعض الاتصالات صارت تضفي على بعض الشباب ظل الثقلاء، فصار بعض الناس يستثقلون ظل بعض الزائرين، وصار البعض من الشباب يرى نفسه أنه ثقيل الظل في هذه الزيارة، ومثل ذلك صار يحصل في بعض الاتصالات.

  5. تطرق لبعض الشباب فتور، وظهر عليهم آثار التعب، وصارت تغلب عليهم الشكوى من عدم استجابة الناس، وبرز ضعف الحافز الحاد مما أثر على حيوية الشاب ونشاطه.

هذه الأمور من أهم ما لوحظ بشكل يلفت النظر وصارت واقعاً موجوداً، فكان لا بد بعد الوقوف عليها، كواقع موجود، من التفكير بها وإعطاء أمرها مزيداً من العناية والاهتمام. وبالرجوع إلى السيرة النبوية في ذلك يتبين ما يلي:

أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان في هذه المرحلة يقوم بعملين: أحدهما حمل الدعوة إلى الإسلام، والثاني طلب النصرة، ففي الدعوة كان يجد إعراضاً وصداً، وفي طلب النصرة كان يجد كذلك إعراضاً وصداً، وفي طلب النصرة كان يظهر عليه أنه يقوم بجمع القوى لأخذ الحكم، وفي موضوع جمع القوى كان إذا أحس بعدم جدوى المحاولة تركها فوراً، إلا أن كان ينوع المحاولة، وتابع أعماله, والدليل على ذلك الحوادث التالية:

أ- جلس إلى سادة ثقيف وأشرافهم فدعاهم إلى الله وكلمهم بما جاءه لهم من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال به أحدهم: هو يمرط (يمزق) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحداً يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبداً، لئن كنت رسولاً من الله كما تقول لأنت أعظم خطراً من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد يئس من خير ثقيف.

ب- لمّا قَدِم أبو الحبسر أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم فجلس إليهم فقال لهم: (هل لكم في خير مما جئتم به) قال: فقالوا له: وما ذاك؟ قال: (أنا رسول الله بعثني إلى العباد أدعوهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً وأنزل عليّ الكتاب) ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال إياس بن معاذ، وكان غلاماً حدثاً: أي قوم، هذا والله خير مما جئتم به، فأخذ أبو الحبسر أنس حفنة من البطحاء وضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم.

ج- لقد أتى صلى الله عليه وسلم كلباً في منازلهم إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبدالله فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، حتى أنه ليقول لهم: (يا بني عبد الله إن الله عز وجل قد أحسن رسم اسم أبيكم) فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم.

د- قدم سويد بن صامت مكة حاجاً فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به، فدعاه إلى الله وإلى الإسلام، فقال له سويد: "فلعل الذي معك مثل الذي معي"، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وما الذي معك؟)، قال: "مجلة (صحيفة) لقمان" يعني حكمة لقمان، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اعرضها علي)، فعرضها عليه فقال: (إن هذا الكلام حسن، والذي معي أفضل من هذا، قرآن أنزله الله عليّ وهدى ونور) فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد عنه وقال: "إن هذا القول حسن"، ثم انصرف عنه.

هـ- بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل في موسم الحج لقي رهطاً من الخزرج، فقال لهم: (من أنتم؟)، قالوا: "نفر من الخزرج"، قال: (أمن موالي يهود؟)، قالوا: "نعم"، قال: (أفلا تجلسون أكلمكم؟)، قالوا: "بلى"، فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله عز وجل، وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فقال بعضهم لبعض: "يا قوم، تعلموا والله أنه للنبي الذي تواعدكم به يهود فلا يسبقنكم إليه"، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.

فالرسول في هذه الحوادث زار الناس في منازلهم، واتصل بالناس، وكان يقوم بعمل واحد مع كل من يزورهم ويتصل بهم، ألا وهو دعوتهم إلى الإسلام، وتلاوة القرآن عليهم، وبعضهم كان يضيف إلى ذلك طلب نصرتهم. وعليه فإن هذه المرحلة يقوم فيها الشباب بعملين، أحدهما حمل الدعوة، والثاني طلب النصرة ومنه جمع القوى، أما حمل الدعوة فيقومون به مع جميع الناس، فالرسول كان يقوم مع كل واحد يتصل به أو يزوره بالدعوة إلى الإسلام وتلاوة القرآن، ولكنه كان يضيف إلى ذلك طلب النصرة مع بعض الناس. ويلاحظ أن حمل الدعوة كان فيه أمران: أحدهما الدعوة نفسها، والثاني تلاوة القرآن. وكذلك الشباب عليهم أن يدعوا الناس للرجوع إلى الإسلام، وأن يشرحوا لهم بعض أفكار الإسلام بأدلتها، ويضيفون إلى ذلك طلب النصرة ومنه جمع القوى مع بعض الناس.

ولكن هناك حالتان: إحداهما تنويع الاتصالات ومتابعتها، والثانية ترك الشخص للمحاولة فوراً إذا وجد الإحساس بعدم الجدوى. ويبدو أن الشباب تنقصهم هاتان الحالتان ، فأما تنويع الاتصالات ومتابعة الأعمال فالمراد منه تنويع الأشخاص وتنويع المواضيع، فالرسول كان يتصل بعدة أصناف من الناس، ويتلو عليهم آيات مختلفة من القرآن وكانت الأعمال يأخذ بعضها برقاب البعض الآخر، وأما الترك عند عدم الجدوى فإنه يدخل فيه عدم القيام بالعمل ابتداءً عند عدم الجدوى فما يشاهَد من ملل الشباب من الناس وملل بعض الناس منهم ناتج عن إحدى هاتين الحالتين، فلا يكرر الشاب مع الشخص الواحد نفس الموضوع الذي حدثه به، ولا داعي لأن يحدث كل الناس في موضوع واحد، ولا يتحدث بالأفكار المجردة كثقافة أو شرح مفهوم وإنما ينتظر المناسبة وينزل الفكر على واقع، ثم أنه لا يصح أن يزور الناس الذين يحس أنهم لا يرغبون زيارته، ولا يمكث عندهم إن أحس أنهم ملوا وجوده أو أعرضوا عنه. وكما يفعل ذلك بالزيارات يفعله بالاتصالات، فالرسول قام عن ثقيف حين يئس من خيرهم، وقام عن فتية بني الأشهل حين صمت إياس بعد أن ضُرب وجهه. وعلى هذا فإن عرض هذا الواقع على السيرة يرى أن ما يقوم به الشباب هو عين ما جاء في السيرة، القيام بالاتصالات والزيارات ودعوة الناس إلى الرجوع إلى الإسلام، ومناقشتهم بأفكار الإسلام وشرحها لهم. فلا يصح أن يملوا الناس ولا أن يملهم الناس، لأن هذا هو الطريق ولا طريق غيره. وكل ما ينبغي إنما هو التنويع والمتابعة، وترك الشخص المحاولة إذا لمس عدم الجدوى، وكذلك عدم القيام بالزيارة والاتصال إذا من معلومات أو أدلة عدم الجدوى. أما الفتور والتعب فإنه نتيجة اليأس، والرسول لم ييأس من الناس، وإنما يئس من الأشخاص المعينين، فلا يخلط بين عدم استجابة أشخاص معينين وبين عدم استجابة الناس. هذه هي حقيقة ما ظهر على الشباب في قيامهم بأعمالهم، ومن أجل مساعدتهم على دقة التقيد بالسيرة تقرر ما يلي:

1- عدم تقييد الشباب بالتركيز على فكر معين أو أفكار معينة، بل يترك لهم أن يختاروا ما يشاؤون من أفكار وما تقتضي المناسبة أو الواقع من أبحاث، وعليه فلا ضرورة بعد اليوم للتركيز على أفكار العقيدة والخلافة والجهاد، ولكن يجب أن تكون من الأفكار المتبناة.

2- عدم فرض زيارات معينة واتصالات معينة عليهم، بل يُفرض عليها القيام بالزيارات والاتصالات، ويترك لهم أمر القيام بها حسب ما يرون، فإذا جاء منشور فُرض فقط توزيعه، أما القيام ببث ما فيه من أفكار فلا يفرض، بل يترك لهم أمر الزيارة والاتصال بشأنها، وإذا جرى التكليف بالمناقشة بأفكار معينة كأفكار منشور معين، أو خطوط عريضة أو ما شاكل ذلك فإنه يُفرض عليهم حينئذ المناقشة بالفكر أو الموضوع ويحدد لهم ذلك ويترك لهم تقرير كيفية المناقشة وأمر الزيارات والاتصالات، يقومون به حسب ما يرون، ولكن يجب أن يعلموا أن القيام بمطلق الزيارات والاتصالات أمر لا بد منه، فإن عمل الرسول في هذه المرحلة كان زيارة الناس في منازلهم، والاتصال بهم في الأماكن العامة.

3- تقوم اللجنة المحلية بملاحقة الشباب ليقوموا بالقراءة الفردية وقراءة القرآن الكريم، والتزود بالأفكار والأحكام مع أدلتها، ويكون هذا من أعمال اللجنة المحلية كملاحقة انتظام سير الحلقات.

22 من ذي الحجة سنة 1384هـ

24/4/1965م