بسم الله الرحمن الرحيم

الإخوة الأعزاء

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

أبعث إليكم برسالة تحية وإعزاز، وثقة بالله راسخة أن نصر الله آت لا ريب فيه بالرغم من قسوة ما نلاقي من شدة وابتلاء، وكان بوُدِّي أن يكون التلاقي بيننا تلاقياً مباشراً نجلس معاً جلسات جماعية وجلسات فردية، نعيش معاً ونصلي معاً، ونتدارس الأفكار والأحكام معاً، ونتصل بالناس ونتحدث إليهم معاً، لقاء طبيعياً كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صحابته لم يفارقهم ولم يفارقوه، لكن الطواغيت الظلمة وضعونا في ظروف حالت بيننا وبين أن نعيش سوية عيشة طبيعية.

وقد حفزتني آيات كريمة وأحاديث شريفة رسخت ثقتي بوعد الله ونصره أن أكتب إليكم هذه الرسالة، ذاكراً فيها الآيات والأحاديث، آملاً أن ترسخ في نفوسكم الثقة بأن نصر الله آت لا ريب فيه، مهما اشتدت الخطوب وازدادت المحن ومهما تأخر النصر، وأنه تزيدكم تصميماً فوق تصميم على المضي قدماً في العمل بين الأمّة ومع الأمّة لإقامة الخلافة وإعادة الحكم بما أنزل الله، دون أن تلين لكم قناة ودون أن ينال منكم وهن، حتى تسري الثقة بالله وبنصره إلى الأمّة التي كبَّلها الطواغيت الظلمة لتنزع عنها لباس الخوف الذي سربلها به الطغاة الظالمون، وتتخلص من الوهن الذي ران عليها، وتتفجر كالبركان الثائر لتحطم الكفر وأنظمته وأفكاره، وتعمل معنا لإعادة سيادة الشرع في الأرض، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وتعود الخلافة تُظِل المسلمين في الأرض، والدولة الأولى في العالم، تحقيقاً لوعد الله الوارد في كتاب الله وسنَّة نبيه، قال جل مِن قائل: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يشركون بي شيئاً)، وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون)، وعن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم، إلا ما أصابهم من لأواء وهم كالإناء بين الأكلة حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك)، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: (في بيت المقدس وأكناف بين المقدس)، وفي رواية للبخاري في علامات النبوة حيث زاد، قال معاذ: (وهم بالشام)، والآية عامة، ووعد الله فيها بالاستخلاف والتمكين والأمن، ليس خاصاً بالصحابة، وإنما هو وعد عام من الله سبحانه لجميع الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وأفردوا الله وحده بالعبادة، ولم يشركوا به أحداً من خلقه، ولا شيئاً من مخلوقاته، أن يستخلفهم في الأرض، يتصرفون فيها تصرف الحكام، وأن يثبِّت لهم الإسلام الذي ارتضاه لهم، وأن يجعل لهم السيادة في الأرض على كل ما عداه من الأديان والأفكار والمبادئ، وأن يبدلهم من بعد الخوف الذي يسيطر عليهم من ظلم الطواغيت أمناً وسكينة، برفع الظلم عنهم وتحقيق النصر لهم، والغلبة على عدوهم. والآية موجهة إلى جماعة وليس إلى أفراد، وكذلك الأحاديث، فإنها متعلقة بطائفة؛ أي بجماعة وتكتل، قائمين بأمر الله حاملين الدعوة لله، عاملين لجعل الحكم بما أنزل الله هو المسيطر، صابرين على ما يصيبهم في سبيل ذلك من لأواء وعنت وشدة وظلم وتعذيب وإجاعة وإخافة وقطع أرزاق وقتل، لا يخشون في الله لومة لائم، ولا يضرهم من خالفهم فيما يحملون، ولا من خذلهم ممن كان معهم أو كان من الأمّة، لأن قوتهم بالله واعتمادهم عليه، منه يستمدون العون والقوة، ومنه ينتظرون التأييد والنصر. وقد بينت هذه الأحاديث أن هذه الطائفة والجماعة تكون في بيت المقدس وفي أكناف بيت المقدس وفي بلاد الشام. ونحن وقد ابتدأنا في بيت المقدس وتوسعنا في أكنافه، وفي بلاد الشام وفي غيرها، وقد أكرمنا الله بحمل هذه الدعوة لإعادة الحكم بما أنزل الله، بعد أن عطله الكافرون، ولإقامة دولة الخلافة بعد أن قضت عليها دول الكفر وعملاؤها المجرمون، نرجو الله ونأمل أن تكون هذه الأحاديث شاملة لنا ومنطبقة علينا، حتى يشملنا الله بفضله، ويؤيدنا بنصره، ويكرمنا كما أكرم الصحابة الكرام.

أيها الإخوة الكرام:

إن الصحابة رضوان الله عليهم قد نالوا ما نالوا من الفضل لأنهم استجابوا لأمر الله وأخلصوا له النية، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل إعلاء كلمة الله، وأقاموا مع رسول الله دولة الخلافة، ووطدوا أركانها مع خلفائه من بعده على أنقاض الجاهلية وأنقاض دول الكفر، فاستحقوا هذا الحكم بالإسلام وإقامة دولة الخلافة لتخليص الأمّة من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ولتقوية هذه الكيانات الكرتونية الكافرة القائمة في بلاد العالم الإسلامي لتوحيد الأمّة في دول واحدة هي دولة الخلافة، حتى تنالوا كما نال الصحابة من الفضل والأجر. يجب أن تصدقوا الله العهد، وأن تخلصوا له النية وأن لا تخشوا غيره ولا تخضعوا لسواه، وأن تؤمنوا إيماناً ثابتاً عن يقين أنه وحده الخالق والرازق والمحيي والمميت والمعز والمُذِل، وأنه وحده مانح النصر، وأنه على كل شيء قدير، وأن أياً مِنَّا لن يموت قبل أن يستوفي رزقه وأجله وما قُدِّر له.

وحتى نكون أيها الإخوة جديرين بنصر الله فلا بد أن ننصره وأن ننصر دينه، وأن نكون وقَّافين عند كتاب الله وسنَّة رسوله، فنلتزمهما ونتقيد بما جاء فيهما من الأوامر والنواهي، وأن نحملهما قيادةً، ونعمل بهما دون كلل ولا ملل بين الأمّة ومعها لنعيد الحكم بهما. وعلينا أن نغتنم ما وصلت إليه الأمّة من قناعة بأن لا خلاص لها إلا بالإسلام، وأن لا منقذ لها إلا بعودة الحكم بما أنزل الله، فنغذ السير مستهينين بكل الصعاب، عاملين على تخطي جميع العقبات، نثير في الأمّة إيمانها ونوقظ حميتها، ونبعث فيها الأمل بإمكانية عودة حكم الإسلام، وتقوّى فيها ثقتها بنفسها، وأنها قادرة إذا حزمت أمرها على تحدي الحكام، وتحطيم أنظمة الكفر، وتحكيم كتاب الله وسنّة رسوله، ننزع منها الخوف، ونجرّؤها على التحرك والانطلاق، لنحطم وإياها أنظمة الكفر وأحكامه وكياناته، ونضع وإياها الإسلام موضع التطبيق والتنفيذ، ويجب أن يكون ذلك أحب إلينا من أنفسنا وأموالنا وأولادنا وعشيرتنا ومساكننا وتجاراتنا ومن متع الدنيا جميعاً.

ولتكونوا على ثقة أننا كلما كان نصرنا لله ولدينه قوياً كان نصر الله لنا عظيماً وقريباً، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم)، وقد جعل الله نصره لمن ينصره وينصر دينه وعداً عليه فقال: (ولينصُرنَّ الله من ينصره) كما جعله حقاً حيث قال: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)، وقد تعهد سبحانه أن يجعل هذا النصر للمؤمنين في الدنيا والآخرة فقال: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد), إلا أنه سبحانه لم يبين متى يأتي النصر، ومتى يحلّ أوانه ولم يعطِ علم ذلك لأحد من خلقه، فقد استأثر وحده بعلمه وتحديد وقته، فإذا ما أراد يسّر أسبابه وهيأ ظروفه من حيث يدري ولا يدري المؤمنون.

ولتكونوا أيها الإخوة على ثقة بالله راسخة أن النصر آتٍ لا ريب فيه، وأن الإسلام ستعود له السيادة على الأرض، وأن الخلافة ستقوم وستتسع رقعتها وتكثر فتوحاتها، وأنها ستكون خلافة على منهاج النبوة كخلافة الخلفاء الراشدين، وقد بشّرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تكون النبوّة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)، وهذا الحديث من دلائل النبوة، فهو إخبار عن غيب، وقد تحقق معظم ما فيه، من النبوة والخلافة والملك العاض والملك الجبري، وبقي أن يتحقق جزؤه الأخير، وهو عودة الخلافة الراشدة من جديد. وقد وصفها الحديث بأنها ستكون خلافة على منهاج النبوة سائرة على هديها، كما وصفها في حديث آخر بأنها ستتسع رقعتها وتكثر فتوحها، وأنها ستقضي على اليهود في فلسطين، فقد روى الإمام أحمد والدارمي عن أبي قبيل قال: كنا عند عبدالله بن عمرو بن العاص، وسُئل: أي المدينتين تُفتح أولاً، أقسطنطينية أم رومية؟ فدعا عبدالله بصندوق له حلق، فأخرج منه كتاباً، قال: وقال عبدالله: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي المدينتين تُفتح أولاً، أقسطنطينية أم رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مدينة هرقل تُفتح أولاً) يعني القسطنطينية. ومفهوم الحديث أن مدينة رومية ستُفتح ثانياً بعد فتح القسطنطينية. ورومية هي مدينة روما عاصمة إيطاليا، كما جاء في معجم البلدان. وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الفرقد، فإنه من شجر اليهود)، وروى البخاري هذا الحديث برواية أخرى عن عبدالله بن عمر تثبت أن اليهود هم الذين سيبدؤون المسلمين بالقتال، كما حصل هذه الأيام من إقامة دولة إسرائيل، حيث يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تقاتلكم يهود، فتسلطون عليهم حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله)، وهذان الحديثان يعنيان أن المسلمين سيزيلون دولة إسرائيل بالكامل ويقضون على اليهود فيها، كما أن الحديث الذي سبقهما يفيد أن المسلمين سيفتحون روما عاصمة إيطاليا ومقر البابوية ومعقل النصرانية، فإذا ما تم للمسلمين هذا الفتح فإنه سيكون مقدمة لفتح أوروبا بكاملها بإذن الله، وسيكون هذا الفتح والقضاء على إسرائيل من قِبَل دولة الخلافة، مما يدل على أنها ستكون دولة قوية، وأنها ستعود دولة عظمى كما كانت.

أيها الإخوة:

إن إقامة الخلافة الراشدة وإعادة سيادة الإسلام إلى الأرض تستأهل التضحية بكل غالٍ ونفيس، وتستحق الصبر والمصابرة وتحمل الشدة والإيذاء والعسر والزلزلة، والابتلاء في الأنفس والأموال والأولاد، ولتوطدوا أنفسكم إنكم ستبتلون مرات ومرات ولتبلون في أموالكم وأنفسكم ليميز الله الخبيث من الطيب، وليظهر المؤمن الصادق من غيره وهذه هي سنة الله في خلقه، قال تعالى:(أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين)، وقال واصفاً ما نال الرسل ومن آمن معهم من البلاء والشدة والزلزلة، وما وصلوا إليه من حالة: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب)، وقد أخبر سبحانه أنه لم يُنزِل نصره على رسله إلا بعد أن وصلوا إلى حالة الاستيئاس، فقال: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرها فنجي من نشاء)، وهذا ما حصل مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ومع من آمن معه، فقد وقع عليهم من البلاء والشدة الشيء الكثير حتى فزعوا إلى رسولنا صلى الله عليه وسلم طالبين منه أن يستنصر الله لهم، وأن يدْعوه ليرفع عنهم ما وقع عليهم من شدة البلاء كما روى ذلك البخاري عن خبّاب بن الأرَت قال: قلنا يا رسول الله ألا تستنصر لنا؟ فقال: (إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع بالمنشار على مفرق رأسه فيخلص فيه إلى قدمه، ولا يصرفه ذلك عن دينه شيئاً، ويمشَّط بأمشاط من حديد ما بين لحمه وعظمه لا يصرفه ذلك عن دينه)، ثم قال: (والله ليُتِمَنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون)، فالفرج والنصر أيها الإخوة لا يأتيان إلا بعد الشدة والبلاء والعُسر الشديد والزلزلة والاستيئاس، فاصبروا وصابروا صبر المؤمنين على الاستمرار في حمل الدعوة وتحمّل مشاقها وما ينالكم في سبيلها من شدة وبلاء، واحملوا أنفسكم على الصبر وخوض الغمرات ولا يلفتنّكم عن ذلك بغي الباغين ولا كيد الطواغيت الظالمين، ولا يَفُتَّنَّ في عضدكم تخذيل المخذلين، ولا مخالفة المخالفين، ولا تقاعس المتقاعسين، ولا نذالة المتخاذلين، واتخذوا من الصبر رداء، ومن التقوى دثاراً، وليكون الله ورسوله أحبّ إليكم مما سواهما، وراقبوا الله في السر والعلن، ولا تُخالفوا له أمراً، ولا تجعلوا لله عليكم حجة، وامضوا قدماً في حمل دعوته لتحققوا إقامة الخلافة والحكم بما أنزل الله.

والله نسأل أن يكرمنا قريباً بالفرج والنصر القريب، وأن يجعله نصراً عزيزاً مؤزراً.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم

22 جمادى الآخرة 1408هـ

10 شباط 1988م