بسم الله الرحمن الرحيم
العمل الفكري والسياسي إذا وُجد في قطر من الأقطار، تعدى تأثيره من ذلك القطر إلى غيره من باقي الأقطار
من الخطأ الفادح الظن بأن العمل في قُطر من أقطار مجال الحزب أو حتى في قطر من أقطار العالم الإسلامي إنما ينتِج فقط في ذلك القطر الذي يعمل فيه أو في مجال الذي يحدده. وهذا الظن ناتج عن عدم فهم طبيعة الفكر، وعن عدم فهم طبيعة المجتمع؛ أي طبيعة العلاقات القائمة بين الناس ولو أُدركت طبيعة الفكر ما هي، وأُدركت طبيعة العلاقات ما هي، لأُدرك تماماًً أن العمل الفكري، ولا سيما السياسي منه إذا وجد في قطر من الأقطار تعدى تأثيره ذلك القطر إلى غيره من باقي الأقطار، بل ربما كان تأثير العمل في غير القطر الذي يقوم فيه أكثر من تأثيره في ذلك القطر محل العمل. والشواهد على ذلك كثيرة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن وقائع الحياة.
فالرسول حمل الدعوة في مكة وكانت الأفكار التي يبثها تُحدث تأثيرها في خارج مكة ممن يسمع عنها، حتى كانت المدينة وهي لم يكن فيها العمل الفكري موجوداً، قد تأثرت من العمل في مكة فقامت الدولة في سنة واحدة على يد واحد من أفراد حملة الدعوة. وأيضاً فإن الرسول عليه السلام إنما كان يحارب مكة والمعارك كانت حول المدينة ولكن تأثير الرسالة التي كانت المعارك من أجلها أثرت في الجزيرة كلها، وأكثر من هذا فإن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما أنهض أمةً وأقام دولةً وبنى مجتمعاً في الجزيرة وحمل الرسالة للعالم ولكن تأثير هذه الأفكار لا سيما حين تجسدت بالأشخاص ثم بالجماهير ثم بالدولة قد تعدى المكان الذي وجدت فيه، وكان تأثيرها هو الذي يمهد لفتح البلدان حين يصل إلى الناس.
وذلك أن الفكر يعبر عن واقع محسوس، فحين ينطلق في مكان يدركه الناس الذين يسمعونه أو يسمعون عنه بقدر إحساسهم بالواقع الذي يعبر عنه، ومن هنا يتفاوتون في إدراكه، فالذين يحسون بالواقع الذي عبر عنه الفكر يدركونه، والذين لا يحسون به لا يدركونه، هم كذلك يتفاوت إدراكهم له، فالذين نالوا قدراً أعلى من الإحساس بذلك الواقع يكون إدراكهم لذلك الفكر أكثر من غيرهم، وهذا التباين في الإحساس وعدمه والتفاوت في درجات الإحساس هو الذي يجعل تأثير الفكر في بلد أكثر من الآخر، ويجعل إمكانية التأثير في غير البلد الذي يوجد فيه الفكر أكثر من ذلك البلد الذي وُجد فيه.
والفكر كما أنه لا يطيق أن يبقى حبيساً بل يدفع صاحبه لأن يبلغه للناس ويدعوهم له، كذلك لا يطيق أن يبقى حبيساً في قطر، بل ينطلق من ذاته بأية وسيلة من الوسائل إلى باقي الأقطار، حتى ولو مع الهواء. وسرعته في الانطلاق تفوق سرعة الصوت وسرعة الضوء. ولذلك ينتقل في البلدان ويؤثر في الأفراد والجماهير بشكل عجيب، فالمرء يكون مسافراً في القطار أو في سيارة فيتحدث في فكرة، ولا يكاد يصل البلد الذي يقصده حتى يجد تلك الفكرة قد سبقته إلى ذلك، ويجد الناس يتحدثون فيها، فإن جدّتها أو طرفتها أو صدقها أو غرابتها أو غير ذلك من صفات مثيرة فيها قد حملت من سمِعَها لأن ينقلها فسبقت لأن يتناقلها الناس، والرجل الذي تحدث فيها لم يستطع بعد أن يرى أولئك الناس.
وعلى هذا فإن طبيعة الفكر من حيث تعبيره عن الواقع، ومن حيث كونه لا يطيق أن يبقى حبيساً، تجعله يتجاوز تأثيره البلد الذي وجد فيه إلى غيره، وربما يكون العمل في ذلك البلد أكثر تأثيراً في غيره من تأثيره فيه. ومن هنا نجد العاملين في الفكر، ولا سيما الفكر السياسي، إذا لم يلمسوا إنتاجاً لعملهم حيث يعملون لا تفتر همتهم عن العمل، بل يظلون يدأبون حتى يوجد التأثير، سواء في المكان الذي يعملون أو في غيره، لاقتناعهم التام بأن العمل لا بد أن يوجِد أثراً، ولفهمهم بطبيعة الفكر.
أما طبيعة المجتمعات -أي العلاقات بين الناس- فإنها نتيجة للأفكار والمشاعر التي يحملها هؤلاء الناس أولاً وبالذات، ثم الأنظمة التي يجري تنظيمها بها. فالذي يؤثر فيها أولاً وقبل كل شيء هو الفكر، وبحسبه تكون المشاعر، ولهذا كانت طبيعتها أن تكون تابعة للأفكار، والمشاعر تسير بحسبها أي -بحسب المفاهيم-، فهي إذن لا تنفصل عن المفاهيم ولا يمكن أن تنفصل عنها. ومن هنا يجري على العلاقات ما يجري على الأفكار، ولهذا يتجاوز تأثير العمل في المجتمع من ذلك المجتمع إلى غيره من المجتمعات، وقد يكون تأثيره في غير المجتمع الذي يعمل فيه أكثر منه في ذلك المجتمع. ومن هنا نجد العاملين في قطر من الأقطار لا ييأسون من العمل إذا لم يلمسوا إنتاجاً، بل يدأبون على العمل حتى يحصل الإنتاج، سواء أكان في المكان الذي يعملون فيه أم في غيره.
وبذلك يتبين الخطأ الفادح من الظن بأن عمل المرء في بلد من البلدان إنما ينتِج في ذلك البلد فقط، حتى إذا لم يلمس الإنتاج فَتُرت همته، ويتبين أن العمل الفكري والسياسي في أي بلد من البلدان ينتِج قطعاً سواء في ذلك البلد الذي يعمل فيه أو في غيره، لأن إنتاجه في الناس حتمي، ونظرة بسيطة لأعمال الحزب في أقطار مجاله تجعلنا نلمس ذلك لمس اليد، فإن الاحتكاك الذي كان يحصل بين الحزب والحكومة في الأردن كان يتجاوب في سائر أقطار المجال، كذلك الاحتكاك الذي حصل بين الحزب والحكومة في لبنان قد تجاوب في جميع أقطار المجال، حتى لقد خُيِّل لبعض الناس في الأردن أن الحزب في سورية أقوى منه في الأردن، وخُيِّل لبعض الناس في سورية أن الحزب في الأردن سيقيم الدولة الإسلامية قريباً هناك، وما ذلك إلا تفسير لأولئك الناس لما تجاوب في نفوسهم من أعمال الحزب. وعلى هذا فيجب أن يثق كل شاب من شباب الحزب حزبياً كان أم دارساً أن عمله حيث يكون في أي بلد من البلدان ولو وُجد لحظات يؤثر قطعاً بكل يقين، إما حيث عمل وإما في مكان آخر، فلا بد أن يكون حريصاً على العمل حيث يكون دون أن يصيبه أدنى فتور أو يناله أقل يأس من الإنتاج.
أما موضوع صلاحية الأقطار لإقامة الخلافة، فإن ذلك لا يعلمه أحد إلا الله، وكل من يزعم أن القطر الفلاني أصلح من القطر الفلاني لإقامة الخلافة فيه فإنما يرجم بالغيب ويخمن عن جهل، فإن هذا مما استأثر الله بعلمه. ولهذا فإن الحزب يعمل في جميع أقطار مجاله على السواء، دون أن يميز قطراً عن قطر. وإذا صادف أن قام في سنة من السنين بالعمل في لبنان أكثر من سورية فإن ذلك لأن الأمور كانت مواتية له في تلك السنة في لبنان أكثر من سورية، لا لأن لبنان أكثر صلاحية من سورية. وإذا ركز الحزب في العمل على العراق فإن ذلك لأن الأوضاع المواتية فيه في ظرف من الظروف يعتبرها فرصة من الفرص المتاحة فيجب أن يغتنمها قبل أن تفوت. وقد توجد هذه الأوضاع في الأردن وتُفقد في العراق فينتقل التركيز حينئذ للأردن من العراق، وما ذلك إلا اغتنام للفرص التي تتاح، لأن من الحقائق المسلَّمة لدينا جميعاً أن المسألة لا تتعلق بالزمن ولا بالأقطار، وإنما متعلقة بالجهد الذي يبذَل، والفرصة التي تُغتنم. والأوضاع المواتية مثل الأحداث المواتية فرصٌ لا يجوز أن تفوت بل يجب أن تُغتنم إلى أبعد الحدود. وأما مسألة صلاحيتها من حيث إمكانياتها والظروف المحيطة بها فإن هذا يمكن أن يُحسب له حساب لو كان ذلك القطر وحده قد اتُخذ مجالاً، أما وقد كان جزءاً من المجال فإنه لا يُحسب له حساب أثناء العمل، وإنما يلاحَظ حين تقوم الخلافة أو حين المباشرة في إقامتها. فالأردن بحكم مجاورته لإسرائيل، وبحكم ارتباط حكامه مع انجلترا لحمايتهم، قد يخطر بالبال أنه أقل صلاحاً من العراق لإقامة الخلافة فيه. وهذا خطأ محض، لأنه قد يخطر بالبال فيما لو كان الأردن وحده مجالاً للحزب، أما وأن المجال هو أكبر من ذلك فإنه لا يصح مطلقاً أن يُنظر للأردن أكثر من كونه بلداً من بلدان المجال كالعراق سواء بسواء دون أي فرق بينهما. وذلك لأن الحزب يَعتبر جميع مجاله بلداً واحداً دون ملاحظة الناحية القُطرية فيه مطلقاً، حتى أنه يرى اعتبار الناحية القُطرية فيه خطأ فاحشاً وخطراً على وحدة الحزب ومخالفة للمفاهيم الإسلامية. ومن أجل ذلك قامت أجهزته كلها على أساس منع القُطرية والتحذير منها بل محاربتها. ولهذا فإن نظرة الشاب إلى القُطر الذي يعمل فيه من حيث إنتاج العمل ومن حيث العمل نفسه لا تجوز بأي وجه من الوجوه، بل يجب أن يُنظر إلى عمّان بالنسبة للعراق كالنظرة إلى جنين في الأردن وإلى البصرة في العراق وإلى حلب في سورية وما شاكل ذلك. فالمجال كله بلد واحد وقُطر واحد، ويُعمل في كل جزء منه لإقامة الدولة فيه لا في قُطر معين منه. وهذا المفهوم لا بد من تركيزه في نفس كل شاب، ولا بد من تركيزه في نفس كل مسلم، والحوادث التي جرت كلها تدل عليه وتنطق به. فلا شك أن الكثيرين حين قام حسني الزعيم بأول انقلاب في سورية لمسوا أثر ذلك على جميع الناس، وحين قام الانقلاب في بغداد سنة 1958م كان ذهاب الحكم في الأردن منتظَراً خلال ساعات، وعبدالناصر حين يقول غداً تتحرر عمّان، غداً تتحرر بغداد، غداً تتحرر بيروت، كان يهز الناس هزاً، فهذا كله دليل على أن واقع هذه الأقطار ينطق بأنها بلد واحد وليست عدة بلدان وأن قيام الحكم في بلد منها يعني قيامه فيها جميعاً إذا لم تحُل دون ذلك الظروف والأوضاع.
وعليه فإن العمل في الأردن قد يؤثر في العراق أكثر من العمل القائم في العراق، فإذا فتر في الأردن فإن هذا الفتور يكون جناية لا على العمل في الأردن فحسب، بل هو جناية أيضاً على العمل في العراق، وقد يمكن العمل في الأردن من استلام الحكم فلا يصح أن يتأخر الحزب عن أخذه بحجة أنه لا يصلح لإقامة الخلافة فيه، بل يجب أخذه إذا رأى أن حمايته من حرب التدخل متوفرة، سواء بانضمام العراق وسورية إليه حال قيامه، أو باشتباكه مع إسرائيل في حرب إسلامية أي جهاداً شرعياً يجعل باقي أقطار المجال تشترك في هذا الجهاد فتنضم تحت رايته أو في أي أمر من الأمور.
فالواقع غير متعلق بأن الأردن يصلح أو لا يصلح، بل متعلق بوجود الحماية من حرب التدخل، وينطبق ذلك على العراق كما ينطبق على الأردن، وكما ينطبق على مصر، سواء بسواء. فالمسألة في أخذ الحكم في المجال كله أو في قُطر من أقطاره أو في مدينة أو قرية منه كدرعا أو الرمثا أو الموصل أو الحسكة مثلاً إنما تتوقف على أن يؤخذ الحكم عن طريق الأمة في المكان الذي يؤخذ فيه بعد توفر الرأي العام المنبثق عن الوعي العام، وعلى أن توجد إمكانية حمايته من حرب التدخل. وهذا لا يقرره كبر القُطر وصغره ولا غناه وفقره بل إمكانية تأثير الدعوة فيه.
على أن العمل في المجال كله لا يعني أن الخلافة إنما تقوم فيه قطعاً بل هو كالعمل في القُطر الواحد منه، قد تقوم فيه وقد تقوم في غيره، ولا يعلم أحد أين تقوم إلا الله تعالى. ولهذا لا يقال إن المجال يصلح لإقامة الخلافة فيه أم لا، فيحصل النشاط إن كانت فيه صلاحية أن تقوم، ويحصل الفتور أو اليأس إن كانت لا توجد فيه صلاحية، بل يجب العمل فيه لإقامة الخلافة. أما أين تقوم، فإن ذلك علمه عند الله تعالى. ولا يقال إن المجال ظاهر فيه أن فيه صلاحية لإقامة الخلافة فيه، فإن مثل هذا القول جهل في السياسة الدولية، أو تقوم الخلافة فيه كله وترى الدول الغربية الكبرى أن قيامها يهدد كيان الغرب فتتفق على مهاجمتها، وحينئذ لا تقوى عليها كلها فيصبح غير صالح. وقد تقوم في سورية والعراق معاً، فترى تركيا أن قيامها بجوارها يهدد كيانها فتهاجمها وتقضي عليها، إذ لا تستطيع الوقوف في وجه تركيا، فيصبح البلدان سورية والعراق معاً ليستا صالحتين، .. وهكذا. فالمسألة في صلاحية إقامة الخلافة ليست متوقفة على القُطر أو الأقطار، لا على الصغر والكبر، ولا على الغنى والفقر، بل متوقفة على تأثير الدعوة في ذلك القُطر إلى جانب الظرف الدولي في ذلك الوقت الذي تقوم فيه بالنسبة للحماية من حرب التدخل، وهكذا قد تكون الأردن في ظرف دولي خيراً من العراق، وقد تكون العراق خيراً من الأردن في ظرف آخر، وقد تكون القاهرة وحدها في ظرف خيراً من جميع المجال في ذلك الوقت.. وهكذا. وعليه فإن إقامة الخلافة ليست بيتاً يبنى فيقاس بالإمكانيات المادية وإنما هي كيان سياسي يقوم على أساس فكري، فحيثما ينضج هذا الكيان يقوم طبيعياً وحتماً، بغض النظر عن كبر الأقطار وصغرها، وعن غناها وفقرها، بل بغض النظر عن كون مكان قيامها في مجال العمل أو في غيره، وعلى هذا فإن شباب الحزب حين يعملون يجب أن لا يتصوروا الناحية القُطرية في العمل مطلقاً، لا من حيث الإنتاج ولا من حيث العمل نفسه، بل يجب أن يقوموا بالعمل معتقدين أنه سينتج قطعاً لأن فكرته قطعية ولأن طريقته قطعية، فإنتاجه قطعي سواء أنتج في المكان الذي يُعمل فيه أم في غيره. ويجب أن يقوموا بالعمل باعتباره تبليغ دعوة لأهل القُطر، فإن الغرض هو التبليغ للناس لا لقطر من الأقطار. ويجب أن يدركوا أن عملهم هو عمل سياسي مع كونه عملاً فكرياً، فهو حمل الدعوة الإسلامية في طريقها السياسي، ولذلك لا يتوقف إقامة الخلافة فيه على كبر القطر وصغره ولا على غناه وفقره، وإنما يتوقف على إمكانية التأثير الذي أوجدته الدعوة التي قامت فيه إلى جانب الظروف السياسية الدولية. ومن هنا كان لا بد أن يدأب الشباب على العمل أي على حمل الدعوة بطريقها السياسي حيثما كان باعتباره يعمل في كل مجاله من المكان الذي يوجد فيه لا باعتباره يعمل في قُطر معين فحسب، فإن هذا يجعله واعياً ويجعله مدركاً حقيقة السير.
2 ذي القعدة 1381هـ
7 اذار سنة 1962م