بسم الله الرحمن الرحيم

أجوبة أسئلة

1- لقد حرم الله تعالى على المسلمين موالاة الكافرين، باتخاذهم أعواناً وأنصاراً، واتخاذهم سنداً وصديقاً، كما حرم عليهم أن يستعينوا بالكافرين أو يلتجئوا إليهم، وحرم عليهم أن ينصحوا للكافرين أو يظاهروهم على المؤمنين أو يدلوهم على عوراتهم.

وقد توعد الله سبحانه وتعالى من يفعل ذلك بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة، قال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء)، بمعنى أن من يتخذ الكافرين أولياء فإن الله قد برئ منه وبرئ هو من الله، ومن يبرأ منه الله فقد استحق سخط الله في الدنيا وعذابه ومقته في الآخرة.

ولقد تضافرت الآيات في النهي عن موالاة الكافرين، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين)، وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق) وقال جل ثناؤه: (إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون).. إلى كثير من الآيات.

غير أن الله تعالى قد استثنى حالة واحدة من ذلك، فأجاز للمسلم أو لجماعة من المسلمين إذا وقعوا تحت سلطان الكافرين وسيطرتهم الفعلية -وكانوا يخشون حقاً على أنفسهم أو أعراضهم أو أموالهم الأذى الشديد- أجاز لهم أن يُظهروا المودة للكافرين المتسلطين بلسانهم لا بقلوبهم، وبالكلام لا بالفعل، وعلى ألا يؤدي ذلك إلى أي ضرر بالمسلمين.

ومن هذا يتبين أنه يحرم على المسلم أن يعمل جاسوساً للكافرين، أو أن يقاتل معهم المسلمين أو أن يناصحهم أو يحقق مصالحهم على حساب مصلحة المسلمين، أو أن يعينهم فيما فيه أدنى ضرر للمسلمين.

والإيذاء الشديد الذي تباح الموالاة بسبب هو ما كان في القتل أو القطع أو هتك العرض أو أخذ المال بجملته. أما ما دون ذلك من سب وشتم وأخذ غرامة مالية فليس عذراً مبيحاً للموالاة ولا بحال من الأحوال، ثم إنه إذا ذهب الخوف من الإيذاء الشديد وذهب الحذر من أجله حرّمت الموالاة وعادت الحال الأساسية التي فرضها الله تعالى.

أما ما يقوله البعض من أن التُقية هي أن يُظهر المسلم خلاف ما يبطن أمام أي إنسان يحذر منه أذى، أي أذى، أو يخشى منه معرفة حقيقة ما في نفسه، سواء كان ذلك الإنسان كافراً أو مسلماً، فإن هذا القول خطأ محض لأنه مخالف لمعنى الآية (إلا أن تتقوا منهم تقاة).

وعلى ذلك فإن إظهار المحبة للحاكم المسلم إذا كان فاسقاً أو ظالماً يحكم بغير ما أنزل الله، وكذلك إظهار المحبة للمسلم المخالف لك في الرأي وإبطان البغضاء له حرام لا يصح. وأن التظاهر بعدم التقيد بالإسلام أو عدم العناية به أمام الفاسق أو الظالم حرام لا يجوز لأن كل ذلك وما شاكله نفاق حرمه الشرع.

علاوة على أن محاسبة الحكم الظالم فرض على المسلمين لا يحل تركه، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد أوجبه الله على المسلمين سواء أكان لفرد عادي أو حاكم ما دام من أهل الفسق والظلم.

هذا كله في حق فرد أو جماعة من المسلمين -حتى لو كانوا أهل قُطر- وقعوا تحت سيطرة الكافرين وسلطانهم. أما الأمّة الإسلامية بجملتها فإنه يحرم عليها أن تخضع لسلطان الكفر سواء نصّبت هي عليها حاكماً كافراً أو رضيت باستعمار دولة كافرة، وسواء كان الاستعمار من قِبل الكافر نفسه أو من قبل عميل من المسلمين نصّبه الكافر عليهم، ويحرم ذلك على المسلمين لقوله تعالى: (ولن يجعل لله للكافرين على المؤمنين سبيلا) فإنه وإن كانت الآية في سياق الخبر إلا أنها تفيد الطلب الجازم، فقد صُدّرت بكلمة (لن) التي تفيد التأبيد.

وعليه فإنه يحرم على المسلمين أن يخضعوا لسلطان الكفر سواء كان السلطان لفرد كافر أو دولة كافرة، فإنهم إن فعلوا ذلك وقعوا في مقت الله وغضبه حتى ينصّبوا عليهم حاكماً مسلماً يحكمهم بما أنزل الله، ولا يحل أن يخلو مركز الخلافة أكثر من ليلتين من غير عذر شرعي.

فإن تلبّس بالعمل لنصب خليفة كتلة أو جماعة، سقط الإثم عن هؤلاء ما داموا متلبسين بالعمل، فإن قعد أحدهما وقع في الإثم ثانية، وتبقى بقية الأمّة في سخط الله وغضبه حتى تنصّب خليفة وتعود الدولة الإسلامية إلى الحياة.

8 ربيع الأول 1406هـ ولاية الأردن

21/11/1985م