بسم الله الرحمن الرحيم

أجوبة أسئلة

مفاهيم

1- إن الحزب لم يقل في يوم الأيام إن غايته هي استلام الحكم، ولن يقول ذلك قط. فغاية الحزب محددة في قانونه الإداري تحديداً تاماً، وهي: حمل الدعوة الإسلامية واستئناف الحياة الإسلامية، ولذلك فإن كل من يظن مجرد ظن أن غاية الحزب هي استلام الحكم هو مخطئ كل الخطأ، سواء أكان من داخل الحزب أم من خارجه. هذه حقيقة ويجب أن تكون لدينا ولدى الناس من البديهيات. نعم إن طريق الحزب في تحقيق غايته هي الحكم، إلا أنه لا يقبل الحكم المجزأ، ولا يأخذ الحكم إلا كاملاً دفعة واحدة، ولا يقوم بالتطبيق إلا انقلابياً. لكن ليس معنى كون الحكم طريقاً لتحقيق الغاية هو أنه غاية، بل هو طريقة ولا يصح أن يزيد عن كونه طريقة شعرة واحدة ولا بحال من الأحوال.

2- إن الحزب يريد إقامة الدولة الإسلامية وليس أخذ الحكم فقط، فإذا لم يتأكد أنه حين يأخذ الحكم يقيم الدولة الإسلامية فإنه لا يأخذ الحكم ولا يقبله. وقد حدد كيفية إقامة الدولة الإسلامية في كتبه تحديداً واضحاً، وملموساً لمس اليد، مما لا يدع أي مجال للتفسير أو التأويل. وهناك بحث خاص في الموضوع مسجل في كتب الحزب عنوانه "كيف تقوم الدولة الإسلامية" وهذا البحث معروف ومشهور، فلم تعد هناك حاجة للتفكير في موضوع الحكم وفي كيفية إقامة الدولة، فإنه أمر مفروغ منه ومحدد، والسير يجب أن يكون بحسبه، والانتظار أو عدم الانتظار، وطول الوقت أو قصره لا دخل له به، فالموضوع هو كيفية معينة يجب التقيد بها.

يقول الحزب في كتبه ما نصه: "ولهذا كان لزاماً علينا أن نتخذ حمل الدعوة الإسلامية والعمل لاستئناف الحياة الإسلامية طريقة لإقامة الدولة الإسلامية، وكان لزاماً علينا أن نتخذ كافة البلاد الإسلامية مجتمعاً واحداً وهدفاً للدعوة، إلا أنه يجب أن نحصر مجال العمل في إقليم أو أقاليم، نقوم فيها بتثقيف الناس بالإسلام، حتى يَحيى فيهم، ويحيوا به ومن أجله، ونقوم فيها بإيجاد الوعي العام به والرأي العام له حتى يحصل التجاوب بين حملة الدعوة والمجتمع تجاوباً منتجاً فعالاً مؤثراً في تحويل الدعوة إلى تفاعل وإنتاج. هذا التفاعل حركة كفاح تستهدف إيجاد الدولة الإسلامية المنبثقة عن الأمّة في هذا الإقليم أو تلك الأقاليم. وحينئذ تكون الدعوة قد سارت من فكرة في الذهن إلى وجود في المجتمع، ومن حركة شعبية إلى دولة".

هذا هو نص الكيفية، وهو نص واضح وقد سار عليه الحزب وتقيد به، ولم يحِد عنه شعرة واحدة، ولذلك فإن الحزب يهمه الناس، يهمه المجتمع، يهمه إيصال الفكرة للناس، وهو يقول بكل صراحة: إن المهم هو الأمّة. فالحزب يستهدف الأمّة، ولا يُعنى بعدد شبابه، ولا يهمه كثرتهم أو قلتهم، وإنما تهمه الأمّة، وهذا صريح واضح في كتب الحزب وفي سلوكه وأعماله وتصرفاته، فعمل الحزب هو الأمّة، وشغله الشاغل هو الأمّة، وما جاء في كتبه ولا سيما كتابي التكتل والمفاهيم يُغني عن كل شرح، وما هو ظاهر في إجراءات الحزب وأعماله يُبصره كل الناس حتى العميان.

3- إن الحزب حين أخذ يعمل لإقامة الدولة الإسلامية كان حاصراً عمله في الناس، ولا يزال حاصراً عمله في الناس، وكان يعمل في المجتمع والناس، ولا يزال يعمل في المجتمع والناس، ولم يكن يعمل لأخذ الحكم ولا في أي عمل مهما قل، ولا يزال لا يعمل لأخذ الحكم ولا في أي عمل مهما قل، وإنما صار يضم إلى أعماله طلب النصرة من أهل القوة والنجدة.

حين كان شباب الحزب يسألون، في أوائل العقد الأول من سيره عن كيفية أخذ الحكم، كان الحزب يجيبهم بكل صراحة: إن هذا أسلوب يقرره نوع العمل، وحين يحصل التجاوب من الأمّة يُنظر حينئذ في العمل ويقرر الأسلوب الذي يقرره نوع ذلك العمل في ذلك الوقت، فقد يكون القيام بعصيان مدني، وقد يكون القيام بمظاهرة كاسحة، وقد يكون القيام بثورة عارمة، وقد يكون القيام بانقلاب عسكري، وقد يكون بغير ذلك، وقد أصدر نشرة في هذا الشأن وزعها على شبابه في ذلك الوقت، وذلك في أواسط الخمسينات، إلا أن الحزب بعد أن دخل دور التفاعل سنة 1960م وكان ما كان من تجمد المجتمع، ومن ازدياد الاضطهاد الوحشي، أعاد النظر في دراسة السيرة النبوية ليتلمس طريقة توضح عملياً وواقعياً الوصول إلى إقامة الدولة فعلاً. واهتدى بعد الدراسة والفكر والبحث إلى أنه وإن كان أخذ الحكم أسلوباً، ولكن إقامة الدولة من حيث هي طريقة وليست أسلوباً، واهتدى إلى أن الطريقة العملية الواقعية للوصول إلى إقامة الدولة فعلاً هي طلب النصرة، فإن الرسول عليه السلام بعد أن تجمد المجتمع أمامه في مكة، وازداد الاضطهاد الوحشي عليه وعلى أصحابه، أخذ يضم إلى حمل الدعوة طلب النصرة، فصار يطلب النصرة من أهل القوة والنجدة. لذلك فإن الحزب غير مخير في كيفية إقامة الدولة بل هو مجبور على أن يسلك طريقاً معيناً، وهو مقيد بهذا الطريق لأنها حكم شرعي، وهي طريقة وليست أسلوباً، لذلك قرر أن يتبع طريق طلب النصرة وأصدر نشرة في أوائل سنة 1961م ووزعها على المسؤولين وأمرهم بالعمل بها، وصار يحاول طلب النصرة.

وقد أدرك الحزب منذ ذلك الوقت أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أخفق في طلب النصرة ثماني مرات، ومكث من السنة الثامنة للبعثة حتى السنة الثانية عشر على رواية، وحتى السنة الرابعة عشر على رواية أخرى، فإن الحزب قد يخفق عشرات المرات، وقد يحتاج إلى أكثر من المدة التي أثمرت مع الرسول، ولذلك رأى أنه قد يخفق، وأن الأمر قد يطول معه، وسار في طلب النصرة على هذا الأساس فقام بمحاولات عدة في طلب النصرة في العراق وسورية ولا سيما في العراق، وكان يدرك أن طلب النصرة إنما هو لإقامة الدولة الإسلامية، وليس لأخذ الحكم فقط، ولذلك كان يطلب النصرة ممن يستطيع أن يجعله يقيم الدولة، فكان يطلب النصرة من الحاكم الفعلي، أي من الذي بيده الحكم فعلاً، أو ممن يستطيع السيطرة على الحكم أو على الحاكم، أو ممن يمكنه جلب الحاكم الفعلي، أو جلب من يستطيع السيطرة على الحكم. ودأب على ذلك منذ أوائل سنة 1961م حتى أوائل سنة 1965م ولم ينجح في أية محاولة من المحاولات. وفي أواخر سنة 1964م حتى أوائل سنة 1965م درس وضْع المجتمع ووضْع الناس ووضْع المنطقة برمتها بوصفها منطقة تحت نفوذ الدول الكافرة، وحينئذ رأى أن ولادة الدولة متعسر، وأن الانتظار يزيد الولادة عسراً، فرأى أن لا بد من القيام بعملية قيصرية لولادة الدولة، فضم إلى طلب النصرة من الحاكم الفعلي وممن يستطيع السيطرة على الحكم وممن يمكنه جلب الحاكم الفعلي وجلب من يستطيع السيطرة على الحكم، ضم إلى هذا كله طلب النصرة ممن يمكنهم القيام بالعملية القيصرية، وسار على ذلك في عدة ولايات وهو لا يزال سائراً عليه حتى الآن، وسيظل سائراً عليه حتى يأتي نصر الله.

إلا أن الحزب كان مدركاً وهو يطلب النصرة، أنها ليست عمل الحزب ولا غاية من غاياته وإنما هي طريقة للوصول إلى إقامة الدولة فعلاً، لذلك لم يجعلها عمل الحزب، بل جعلها من بعض أعماله، ولم يشغل شبابه بها، ولا الحزب ككل، وإنما أشغل فيها عدداً من شبابه في كل ولاية لا يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة، ولم يجعل لها في أعمال الحزب إلا ما يقتضيه العمل، فإن الرسول عليه السلام لم يكن مشغولاً بطلب النصرة وإنما كان مشغولاً بالدعوة، ولم يشغل في طلب النصرة سوى مصعب بن عمير وأسعد بن زرارة، لذلك ظل الحزب سائراً كما كان دون أن يحس أحد أنه قد طرأ عليه أي شيء جديد. بل ظل الحال كما كان: الاشتغال بالأفكار والقيام بنفس الأعمال.

وفوق هذا فإن واقع الأمر هو أن إقامة الدولة إنما هي في الأمّة، وتسلم الحكم إنما هو استكمال لإقامة الدولة، وبما أن الدولة هي الأمّة فإن الحزب عمله هو الأمّة، فيجب أن يظل يشتغل في الأمّة، لتقويتها بالفكرة، وللمحافظة على الدولة التي أقامها فيها. ولذلك يجب أن يظل عمله هو الأمّة، أي يجب أن يظل عمله كما هو بلا فرق، ألا وهو العيش بين الأمّة وفي الأمّة وإعطاء الأفكار في الأمّة، والسير تصاعدياً في هذه الأمّة الكريمة. وفوق هذا وذاك، فإنّ الحزب قبْل الحكم، وأن الفكرة قبْل الدولة، فلا يصح أن يكون لطلب النصرة أي أثر على الحزب وعلى سيره، ولا على الفكرة وإعطائها، بل يجب أن يظل الحزب قوياً وسائراً بقوة وأن تظل الفكرة في الأمّة قوية سائرة تصاعدياً فيها.

4- إن الحزب منذ أن قام، حصر كل أعماله في الأمّة وإيصال الأفكار لها في إيقاظها وتنويرها ودفعها، في إيجاد الوعي العام بالإسلام وإيجاد الرأي العام له، ودأب على ذلك، وكان حركة كفاح تستهدف إيجاد الدولة، وظل على ذلك سائراً بكل قوة إلى أن لمس لمْس اليد التجاوب بين حملة الدعوة والمجتمع، وحينئذ أيقن أنه قد أقام الدولة فعلاً، ولم يبق أمامه إلا أخذ الحكم لاستكمال الدولة، وحينئذ صار يعمل جاداً لأخذ الحكم، لأنه حينئذ لمس عسر الولادة فضم إلى طلب النصرة من أهل النصرة المعروفين، طلبها ممن يمكنهم القيام بالعملية القيصرية، إذ أن الدولة قد قامت فلم تبق إلا ولادتها.

5- إن الحزب يريد أربعة أمور، يريد إنهاض الأمّة، وإقامة الدولة، وبناء المجتمع، وحمل الرسالة، وهو يعمل لهذه الأمور كأمر واحد، ويعتبرها شيئاً واحداً، فهو لا يشغله أخذ الحكم وإنما تشغله هذه الأمور الأربعة معاً: إنهاض أمّة، وإقامة دولة، وبناء مجتمع، وحمل رسالة، وهو يدرك أن قوام ذلك إنما هو إقامة الحكم على الفكرة، أي إقامة الحكم على العقيدة الإسلامية، فالحكم الذي لا يقوم على فكرة لا ينهِض أية أمّة، فشرط النهضة أن يقوم الحكم على فكرة لا أن يأخذ الحكم صاحب فكرة. ولذلك فإن الحزب يدرك أنه يريد أن يقيم الحكم على الفكرة الإسلامية، ويدرك أنه إذا أقامه على ذلك فإنه حينئذ يحقق الأمور الأربعة. فالهدف الحقيقي واضح للحزب كل الوضوح وهو يعمل على بصيرة وعلى هدى. وما حدده من غايته تحديداً تاماً وهو: حمل الدعوة الإسلامية، واستئناف الحياة الإسلامية، لا يتحقق إلا بهذه الأمور الأربعة: إنهاض أمّة، وإقامة دولة، وبناء مجتمع، وحمل رسالة، ولذلك فإنه على يقين بأنه قد نجح كل النجاح، وعلى ثقة بنصر الله.

11 من ذي الحجة 1391هـ

27/1/1972م