بسم الله الرحمن الرحيم

  • أجوبة أسئلة:

النُصـرة:

سأل أحد شباب الحزب الأسئلة التالية:

1- إنّ أهل المدينة الذين طَلب منهم الرسول أن ينصروه وأن يسلموه الحكم من كتلته لأنهم مسلمون، فهل كتلة الرسول هي الصحابة فقط أم جميع المسلمين هم كتلة الرسول؟ وما الدليل على ذلك؟

2- مصعب بن عمير عندما كان في المدينة كان يتصل بالرسول صلى الله عليه وسلم ويخبره عما يجري معه، ألا يدل هذا على أن هؤلاء الذين كانوا في المدينة هم من كتلة الرسول؟

3- إنْ طلب الحزب أن يشارك في الأعمال المسلحة لأخذ الحكم، فهل يشارك أفراد الحزب في حمل السلاح لأخذ الحكم؟

4- إنْ كان الحزب لا يقوم بالأعمال المسلحة أو المادية لأخذ الحكم فلماذا يطلب من غيره أن يقوم بأعمال مسلحة أو أعمال أخرى مادية لأخذ الحكم؟

5- هل هناك شبه بين مصعب بن عمير في المدينة مع المسلمين هناك وبين رجال الحزب الموجودين في العراق مثلاً، أم هناك اختلاف؟

وقد أجيب هذا الشاب بما يلي:

قرأت الأسئلة التي وردت في كتابكم وهي كلها تدور حول موضوع واحد هو طلب النصرة، وإني ألخص لك الموضوع أولاً ثم أجيب على كل سؤال على حدة، وإنه وإن كان تلخيص الموضوع يجيب على الأسئلة ولكن خشية أن لا يُفهم جواب السؤال المحدد من الموضوع العام، آثرتُ الإجابة على كل سؤال ولو كان فيه شيء من التكرار، ويتلخص الموضوع في النقاط التالية:

أولاً:

الكتلة (بضم الكاف) في اللغة ما جُمع، والكتلة من التمر والطين وغيره ما جُمع، ويمكن أن يقال ما جُمع من الناس. والحزب (بكسر الحاء) في اللغة جماعة الناس والأحزاب جمعه، والحزب في اللغة جند الرجل وأصحابه الذين على رأيه. وأما تعريف الكتلة بأنها تكتل الناس على مبدأ آمن أفراده به، فهو اصطلاح أو وصف واقع للكتلة الحديثة، وكذلك تسميتها كتلة قبل أن تكتمل وتعمل، هو أيضاً اصطلاح أو وصف واقع، وهذا المعنى الاصطلاحي أو وصف الواقع وكذلك المعنى اللغوي لكل من الكتلة والحزب يمكن إطلاقها على الجماعات التي حصلت في المسلمين في بلاد الإسلام مثل إخوان الصفا، فهم كتلة فكرية أو حزب فكري، ومثل جماعة المعتزلة فهم كتلة جدلية أو حزب جدلي، ومثل الخوارج والشيعة فهم كتلة سياسية أو حزب سياسي. وأما الصحابة رضوان الله عليهم فإنه لا ينطبق عليهم الاصطلاح أو وصف الواقع وإنما ينطبق عليهم المعنى اللغوي فحسب، فهم ناس قد جُمعوا وهم أصحاب الرسول الذين على رأيه، ولذلك لا تقاس باقي الكتل والأحزاب من حيث إطلاق الاسم الاصطلاحي، وإنما تقاس عليها من حيث المعنى اللغوي ومن حيث سير الصحابة كجماعة معينة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وواقع حزب الرسول أو صحابة الرسول هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو للإسلام جميع الناس فيدخل في الإسلام من يدخل ويعلّمهم أحكام دينهم، وهؤلاء الذين يدخلون في الإسلام منهم من يدخل في الإسلام ويرجع إلى قومه، ومنهم من يدخل في الإسلام ويعلّمهم الرسول عليه السلام بعض الأحكام، ومنهم من كان يلازم الرسول صلى الله عليه وسلم ويصاحبه، فهؤلاء الذين لازموا الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحَبوه وتحققت فيهم معاني الصحبة هم الصحابة وما عداهم ليسوا من الصحابة، وهذا هو المعنى الشرعي للصحابة، وهو المعنى الشرعي واللغوي لحزب الرسول، وهذا هو المعتبَر في أيام الرسول الوارد في أحاديثه عن الصحابة أي عن حزبه، وهو المعنى الشرعي فيما يترتب عليه من أعمال تتعلق بالإسلام، فهؤلاء الصحابة هم الذين عنهم أخذنا ديننا فهم الذين نقلوا القرآن كما أُنزل وهم الذين رووا الحديث كما سمعوه من فم رسول الله عليه السلام، وهم الذين لا يُجرح أحدهم في روايته، في حين أن ما عداهم يُجرح في روايته وهم وحدهم الذين أثنى عليهم القرآن وأثنى عليهم الرسول في أحاديثه، فحزب الرسول صلى الله عليه وسلم هم أصحابه فقط ومن لم يكن من أصحابه لا يعتبر من حزبه لا لغة ولا شرعاً ولا يكون من أصحابه إلا إذا تحقق فيه معنى الصحبة. وبناء على ذلك فإن الأنصار الذين بايعوا الرسول عليه السلام بيعة العقبة الثانية لم يكونوا حينئذ من أصحابه عليه السلام ولم يكونوا من حزبه في ذلك الوقت وإن صاروا بعد ذلك أصحابه ومن حزبه.

ثانياً:

إن من المقطوع به أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب النصرة من أصحابه حين بدأ يطلب النصرة، ولم يجمعهم لعمل جماعة تقاتل وإنما طلب النصرة من غير أصحابه، من أصحاب مراكز القوة، في حين كان في أصحابه أبطال مثل حمزة وعمر وغيرهما، فالثابت أن الرسول حين بدأ بطلب النصرة طلبها من غير أصحابه، فذهب إلى ثقيف وطلب منهم أن يسْلموا وأن يمنعوه، وصار يذهب إلى القبائل يطب منهم أن يسْلموا وأن يمنعوه. ولمّا رأى الستة الذين قَدِموا من المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا، ثم قالوا للرسول عليه السلام: إن وراءنا في المدينة قوماً قد اختلفوا فإذا جمعهم الله عليك لم يكن أحد أعزّ منك. وفي السنّة التالية في الموسم جاء اثنا عشر رجلاً وبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأرسل مصعب بن عمير معهم إلى المدينة ليدعوا إلى الإسلام أهل المدينة ويطلب منهم النصرة، فذهب مصعب ومكث عاماً وأحضر له من طلب منهم الإسلام والنصرة واستجابوا إليه ليبايعوا الرسول بيعة الحرب، فالثلاثة وسبعون رجلاً والمرأتان لم يطلب منهم الرسول النصرة بل سبق وطلبها منهم مصعب فاستجابوا وأحضرهم مصعب لبيعة الحرب بعد أن استعدوا للنصرة، ولذلك لم يقل لهم الرسول عليه السلام ما كان يقول لمن يطلب منهم النصرة من ثقيف والقبائل وإنما طلب منهم البيعة، فهم قد جاءوا لبيعة الحرب واستعدادهم للنصرة كان قبل ذلك أي قبل حضورهم للرسول، وطلب النصرة إنما كان من غير الصحابة أي من غير حزب الرسول عليه السلام، وعلى ذلك فإن حزب التحرير يطلب النصرة من غير الحزب أي يطلب النصرة من غير الحزب أن ينصره ويسلّمه الحكم، فإن الرسول قد فعل ذلك، والحزب لا يصح أن يفعل غير ذلك لأن هذه طريقة، أي هذا حكم شرعي فهو مقيد به، والثلاثة وسبعون رجلاً والمرأتان لم يكونوا حين بيعتهم على الحرب من الصحابة والرسول لم يطلب بيعتهم على النصرة حين طلب منهم البيعة، وحتى لو طلب منهم النصرة فهم لم يكونوا من الصحابة، ولذلك فإن على الحزب أن يطلب النصرة من غير الحزب.

ثالثاً:

إن الحزب قد تبنى من أول يوم وُجد فيه أنه لا يقوم بالأعمال المادية مطلقاً. جاء في مفاهيم حزب التحرير ما نصه (ولهذا كان لا شأن للكتلة الإسلامية التي تحمل الدعوة بالنواحي العملية ولا تشتغل بشيء غير الدعوة، وتعتبِر القيام بأي عمل من الأعمال الأخرى ملهياً ومخدّراً ومعيقاً عن الدعوة ولا يجوز الاشتغال بها مطلقاً). ويقول في المفاهيم أيضاً ما نصه: (ولهذا لا يجوز للكتلة وهي تحمل الدعوة أن تقوم ككتلة بأي عمل من الأعمال الأخرى ويجب أن تقتصر على الفكر والدعوة). فالحزب قد تبنى من أول يوم وُجد فيه أن لا يقوم بالأعمال المادية، وحمل السلاح من قِبل الحزب كحزب. فالقيام بأعمال بواسطة السلاح هو قيام بأعمال غير فكرية، أي قيام بأعمال مادية، وهو لا يجوز للحزب أن يفعله مهما كانت الغاية التي يحمل السلاح من أجلها سواء أكانت لإزالة المنكر أو لتسلم الحكم أو لغير ذلك ولا يصح أن يقوم إلا بالأعمال الفكرية والأعمال السياسية. فلا يصح أن يقوم بالأعمال المادية مطلقاً لا بالأمس ولا اليوم ولا في المستقبل، فهو مقيَّد بما تبنى، وهو مقيَّد بفعل الرسول. ولذلك فإن الحزب كحزب لن يحمل السلاح من أجل القيام بأعمال مادية لا اليوم ولا في المستقبل، لا لإزالة المنكر ولا لتسلم الحكم ولا لغير ذلك.

رابعاً:

إن طلب الحزب للنصرة ليس طلب فرد من غيره أن يقوم بأعمال مادية لمساعدته، وهو لا يقوم بها، فليس طلب فرد من غيره أن يقاتلوا ليحموه وهو يتأخر عن القتال، وإنما هو طلب من كتلة من أهل المَنَعة والقوة أن ينصروها وأن يزيلوا الحواجز المادية من طريقها حتى تتسلم الحكم، فهو، أي الحزب، يطلب النصرة، يطلب أن يسلّم الحكم ممن يقدرون على ذلك سواء أزالوا الحواجز المادية وسلّموه الحكم بالقتال أم بالضغط أم بما لهم من نفوذ أم بغير ذلك، فالمسألة ليست مسألة طلب من فرد يطلب من غيره أن يحمل السلاح ويقاتِل ليسلمه الحكم وهو جالس ومتأخر عن القتال، بل طلب من الحزب ممن لديه القدرة أن يستعمل قدرته لإزالة الحواجز المادية التي تحُول دون تسلم الحزب للحكم، ويسلّمه الحكم، فهو، أي الطلب، في حقيقته طلب نصرة من كتلة ممن يملك القدرة على النصرة، وفرق كبير بين طلب كتلة للنصرة وتسلم الحكم ممن له قوة ونفوذ ومَنَعة وبين طلب فرد من أفراد أن يحلموا السلاح ويقاتِلوا ليسلّموه الحكم وهو يتأخر عنهم عن القتال. لذلك لا بد من إدراك هذا الفرق وإدراك الوضع على حقيقته وهو أن الحزب كحزب يطلب النصرة ممن لهم المَنَعة، يطلب ممن لهم القوة والنفوذ والمَنَعة أن يستعملوا قوتهم ونفوذهم لإزالة الحواجز المادية وتسليم الحكم للحزب ليقيم سلطان الإسلام ليوجِد الخلافة ويحوّل البلاد من دار كفر إلى دار الإسلام.

هذا هو الوضع أحببتُ أن أشرحه لك حتى يُفهم الموضوع كموضوع بغض النظر عما إذا كانت هناك أسئلة أم لا. أما أجوبة الأسئلة فألخصها بما يلي:

1- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يطلب النصرة من أهل المدينة وإنما قام مصعب يتقصد مراكز القوة أي يتقصد أهل النفوذ والمَنَعة وطلب منهم الإسلام ثم طلب منهم النصرة، والذين طَلب منهم الرسول عليه السلام البيعة ليسوا أهل المدينة وإنما هم الثلاثة والسبعون رجلاً والمرأتان الذين جاء بهم مصعب من المدينة ليبايعوا الرسول بيعة الحرب. والرسول طلب منهم البيعة على الحرب، وكانت النصرة قد طلبها مصعب من قبل. على أنه لو طَلب الرسول من هؤلاء الخمسة والسبعين شخصاً النصرة فإنهم لم يكونوا في ذلك الوقت من حزب الرسول لأن حزب الرسول هم الصحابة فقط وليسوا جميع المسلمين، فكتلة الرسول أو حزب الرسول هم الصحابة ليس غير، فقد عرّف القاموس المحيط الحزب ما نصه "وجند الرجل وأصحابه الذين على رأيه"، فليس حزب الرسول من كانوا على رأيه فقط بل لا بد من اجتماع شرطين هما أن يكونوا أصحابه وأن يكونوا على رأيه، فحزب الرسول هم أصحابه فقط حسب ما جاء في نص اللغة.

2- إن مصعب بن عمير كان يتصل بالرسول ليخبره عن عملين: عن حمل الدعوة وعن طلب النصرة، ولذلك لمّا استكمَل طلب النصرة جاء بمن استعدوا للنصرة ليبايعوا الرسول عليه السلام، فاتصال مصعب بن عمير بالرسول صلى الله عليه وسلم لا يدل على أن أهل المدينة هم صحابة الرسول ومن حزبه ولا يدل على أن الخمسة والسبعين هم من صحابة الرسول وحزبه.

3- أن يُطلب من الحزب أن يشارك في الأعمال المسلحة لأخذ الحكم طلب مرفوض لأن الحزب كحزب لا يشارك في حمل السلاح لأخذ الحكم لأنه كحزب لا يقوم بالأعمال المادية.

4- إن الحزب لا يطلب من غيره الآن أن يقوم بالأعمال المادية والأعمال المسلحة لأخذ الحكم وإنما يطلب منهم المَنَعة بأن ينصروه أي أن يستعلموا قوتهم ونفوذهم لنصرته سواء أكان ذلك بالأعمال المسلحة أم بغيرها.

5- يوجد هناك شَبَه بين مصعب بن عمير في المدينة وبين رجال الحزب الموجودين في العراق أو السودان أو الكويت أو سوريا أو غيرها. فمصعب كان يحمل الدعوة ويطلب النصرة، وكذلك شباب الحزب منذ سنة 1961م يحملون الدعوة ويطلبون النصرة، ولكن لا يوجد شَبَه بين أهل المدينة وشباب الحزب ولا بين الخمسة والسبعين شخصاً وبين شباب الحزب، فشباب الحزب أعضاء من الحزب وأجزاء من الكتلة، وأهل المدينة ليسوا من الصحابة ولا أعضاء في كتلة الرسول، وكذلك الخمسة والسبعون شخصاً لا يوجد شَبَه بينهم وبين شباب الحزب لأنهم ليسوا من الصحابة، فليسوا من حزب الرسول صلى الله عليه وسلم.

5 من شعبان 1388هـ

27/10/1968م