بسم الله الرحمن الرحيم
أجوبة أسئلة:
1- يجب أن يكون واضحاً أن الأصل في السلوك هو الطاقة الحيوية، فالطاقة الحيوية تدفع وتطلب الإشباع، فيقوم الإنسان بالتحرك بالقول أو العمل من أجل الإشباع. هذا هو أصل السلوك، فالسلوك هو للإشباع. إلا أن الذي يعيّن هذا السلوك هو المفهوم وليس الفكر فقط، فالفكر لا يؤثر على السلوك إلا إذا صدّقه الإنسان وارتبط هذا التصديق بالطاقة، أي إلا إذا أصبح مفهوماً من مفاهيم الشخص. فالقول بأن سلوك الإنسان حسب مفاهيمه قول يقيني وغير قابل للشك، لأن التصديق بالفكر إذا ارتبط بالطاقة لا يمكن أن يكون السلوك إلا بحسبه. إلا أن هناك أفكاراً ارتبط التصديق بها بالطاقة ارتباطاً متيناً يصعب على التصديق بفكر آخر أن يزيلها، أو يصعب عليه أن يزيل آثارها إلا بعد مرور زمن، لهذا يبقى الفكر فيها غير متحول إلى مفهوم، أو يتحول تحولاً مترجرجاً، أو يتحول تحولاً متقطعاً، وهذا أكثر ما يكون في مفاهيم الأعماق، ولذلك يحتاج إلى معاناة أكثر وقد يحتاج إلى زمن.
وعلى هذا فإن الفكر وهو نتيجة العقل، وهو غير السلوك. والسلوك هو نتيجة الطاقة، وهو غير الفكر، فكان التفكير غير الميل، وكانت العقلية غير النفسية. فهناك طاقة تتطلب الإشباع وهناك عقل يفكر، فهما أمران مختلفان، فإذا ارتبطا، أي حصل السلوك حسب الفكر، كانت الشخصية، وإذا لم يرتبطا بل ظلا منفصلين، كانت هناك ميول وكانت هناك أفكار. إلا أن مخالفة السلوك للفكر أكثر ما تكون في بعض الجزئيات، فلا يؤثر على الشخصية وإنما يؤثر على بعض التصرفات في بعض الأحيان. ففي غزوة بني المصطلق تنادى الأنصار ضد المهاجرين وتنادى المهاجرون ضد الأنصار حين تحركت في الفريقين النعرة العصبية، ففي هذه الحالة انفصل السلوك عن الفكر مع أنه مفهوم عند الفريقين، ولكن هذا المفهوم في هذا الوقت لم يعد مفهوماً، أي انفصل عن الارتباط بالطاقة، فتصرف كل منهم حسب ميوله لا حسب أفكاره، أي تحركت مفاهيم الأعماق، ولكنه لم يؤثر على شخصية الأنصار ولا على شخصية المهاجرين، وما لنا إن عادا للمفهوم كمفهوم وليس كفكر فقط، فانفصال السلوك عن الفكر في بعض الأحيان لا يؤثر على الشخصية. أما القول بأن للإنسان مفهومين متخالفين تجاه الشيء الواحد فهو قول مغلوط، فلا يكون للإنسان إلا مفهوم واحد هو الفكر الذي ارتبط تصديقه بالطاقة، وأما الآخر فهو فكر وليس مفهوماً في تلك الحالة أي حالة السلوك. والقول بأن للإنسان وجهتي نظر في الحياة فهو قول مغلوط كذلك. فلا يكون للإنسان إلا مفهوم أساسي واحد عن الحياة، هو الفكر الأساسي الذي تحول إلى مفهوم، ولا يوجد غيره، فإذا وجِد فكر غيره فإنه مجرد فكر وليس بمفهوم.
2- وجود ثغرات لدى المسلم لا يخرجه عن كونه شخصية إسلامية، بل إن وجود هذه الثغرات في المسلم أمر طبيعي وأمر لا بد من حصوله، فإن المسلم غير معصوم حتى ولو كان صحابياً، والعصمة إنما هي للأنبياء والرسل فيما يتعلق بالتبليغ فقط.
أما كثرة هذه المعاصي مِن ترْك فروض وارتكاب محرمات والمجاهرة بها، وتحولها من ثغرات إلى ما يغلب على السلوك، أو كونها وجِدت من الأصل معاصي كثيرة وليست ثغرات، فإن هذا ولا شك يؤثر على الشخصية الإسلامية، فأبو نواس من أعلم علماء المسلمين، حتى قال عنه الشافعي: لولا مجون أبي نواس لأخذت عنه الحديث، ولكن لأن سلوكه على غير أفكاره، أي لأن عقليته غير نفسيته فإنه لا يمكن لأحد أن يقول عن أبي نواس إنه شخصية إسلامية. فالثغرات لا تؤثر على كون الشخص شخصية إسلامية، أما ما عداها فيؤثر.
3- إن من أهم أعمال الحزب الثقافة الجماعية، وعليه أن يثقف الملايين بل مئات الملايين، وعليه أن يكون قوّاماً على المجتمع ليأخذ بيده إلى النهوض، وليحُول بينه وبين الانتكاس، ولذلك لا بد أن تكون لديه آراء في مسائل الحياة بقدر ما يلزمه لأنها من الأمّة، وللحيلولة دون انتكاس المجتمع. ومن هنا كان لزاماً عليه، لا أن يُخرج ثقافة بما هو موجود من الأفكار فقط، بل عليه كذلك أن يُخرج ثقافة بما يجدّ من الأفكار، مما يلزم لإنهاض الأمّة وللحيلولة بين المجتمع وبين الانتكاس، لذلك كان لا بد للحزب أن يُخرج أفكاراً للناس.
إلا أن الحزب في نفس الوقت يقوم بالثقافة المركزة لشبابه، ويحمل عبء قيادة الأمّة، فلا بد أن يكون لدى شبابه أفكار معينة يتحدد سلوكهم بحسبها، سواء عن سلوكهم في شأن من الشؤون غير قيادة الأمّة أو في شأن قيادة الأمّة، لذلك لا بد من أفكار للحزب نفسه تعيّن له السلوك، أي لا بد له من مفاهيم، وبما أن سلوك الإنسان حسب مفاهيمه كان لا بد للحزب أن يتبنى أفكاراً معينة يعيّن سلوك شبابه وسلوكه هو بحسبها. ومن أجل ذلك تبنى حزب التحرير آراء وأفكاراً وأحكاماً. ثم إن الحزب يستهدف الحكم كطريقة لا كغاية، فلا بد أن تكون لديه مفاهيم تعيّن سلوكه في الحكم. فكان هذا كذلك يقضي بأن يتبنى الحزب أفكاراً وآراءً وأحكاماً. ومن أجل ذلك أيضاً تبنى حزب التحرير آراءً وأفكاراً وأحكاماً.
فالحزب بوصفه حزباً تبنى أفكاراً وآراء وأحكاماً من أجل سلوكه، وهو بوصفه حزباً يقود الأمّة ويشرف على المجتمع أخرج آراءاً وأفكاراً وأحكاماً. فما كان من الثقافة للحزب خاصة من أجل تعيين سلوكه كانت ثقافة متبناة، وما كان من الثقافة عاماً للحزب وللأمّة كانت ثقافة غير متبناة، ولكن شباب الحزب وهم الذين يعملون في الأمّة والمجتمع فإنه من المستحسن أن لا يخالف فكرهم ما لدى الحزب من ثقافة، سواء أكانت متبناة أو غير متبناة. فأجوبة الحزب على الأسئلة، وكتب الحزب غير المتبناة ككتب أحكام الصلاة والفكر الإسلامي ونظام العقوبات مثلاً، فإنها وإن كانت غير متبناة ولا يُلزم الشباب بها، ولم تخرج للحزب، فإن من المستحسن أن لا يخالفها أحد من الشباب، لأنها أُخرجت للأمّة وللمجتمع، وهم الذين يقودون الأمّة ويشرفون على المجتمع وقيادتهم وإشرافهم إنما هي بهذه الثقافة، أي بهذه الأفكار، لذلك فإنه لا يُتصور أن يخالفوها إلا إذا كانوا غير مدركين لأنفسهم ولمهمتهم.
4- إن الحزب لا يقيّد سلوك شبابه إلا بقدر ما يلزم للعمل أو لإنجاح العمل، ولذلك فإن من المستحسن للحزب أن يقلل من الأفكار المتبناة ما أمكن، وأن يقتصر على أقل قدر يمكن الاكتفاء به، وذلك لمساعدة شبابه على الإبداع، ولتخفيف العقوبات على سلوك الشباب، لأن الحزب يعاقب على السلوك المخالف للأفكار المتبناة حسب ذلك الفكر، ولا يعاقب على مخالفة الفكر غير المتبنى. فالحزب قد تبنى حكماً معيناً في الشركات المساهمة والتأمين والجمعيات التعاونية، وذلك من جملة التبني للحكم، ولكنه لم يتبن بشأن من يتعامل مع شركات المساهمة لأن ذلك متعلق بالجمهور وليس متعلقاً بالدولة. فإذا خالف أحد من شبابه ما تبناه مثل المساهمة في الشركات المساهمة عاقبه لأنه حكم متبنى، أما إذا خالف أحد شبابه غير ما تبناه فتعامَل مع شركة مساهمة فإنه لا يعاقبه، لأنه لا يحق له أن يعاقب شاباً على فعل غير متبنى. فهو لم يعاقب على حرام لأنه حرام فقط، بل لأنه متبنى، ولم يترك العقاب على حرام آخر تركاً للعقاب على حرام بل تركاً لعقاب على فعل غير متبنى. فالعقوبات تكون على المتبنى ولا تكون على فعل غير متبنى.
5- ليس فيما يُخرجه الحزب رأي شخصي مطلقاً سواء أكان صادراً عن أحد أعضاء الحزب أم صادراً عن غير أعضاء الحزب، فكله آراء الحزب، فكل ما يُخرجه الحزب هو رأي له، ولا فرق بين نظام الإسلام ولا بين أحكام الصلاة، مع أن مؤلف نظام الإسلام هو عضو في الحزب، والاسم المكتوب على كتاب أحكام الصلاة ليس عضواً في الحزب. وعلى هذا يجب أن يُعلم أن كل ما يُخرجه الحزب هو رأي الحزب، سواءً أكان كتاباً أم جريدة أم نشرة، ولكن هذه الآراء منها ما هو متبنى ومنها ما هو غير متبنى، فما كان منها من المتبنى يُلزم به الشباب لأنه رأيهم قد تبنوه، وما كان منها من غير المتبنى لا يُلزم به الشباب، ولكن من المستحسن عدم مخالفته لأنها تؤدي إلى الضرر.
1 من شهر ربيع الثاني سنة 1391
2/6/1971