بسم الله الرحمن الرحيم

أجوبة أسئلة:

1- ليس من الصحيح استبدال كلمة (يراد) الواردة في مطلع الجواب الأول بكلمة (يعمل)، لأن الأخيرة لا تؤدي المعنى المقصود، ذلك أن العمل نتيجة الإرادة، فهو ثمرة وليس الأصل، والحزب لا يقوم على العمل وليس العمل جزءاً من تكوينه، بخلاف الإرادة فإنها جزء من تكوين الحزب، أي أن العمل تنفيذ للإرادة، فالأصل هو الإرادة، فالحاكم يريد ويأمر، والموظفون والقوى المادية تعمل، والسيد يريد ويعمل، والعبد يعمل ولا يريد ...إلخ، فالأصل الإرادة، ولذلك كانت كلمة (يراد) أدق بل هي الصحيحة.

2- المراد بالفكرة هنا العقيدة، فمن حيث النظرة إلى الأساس يقال الفكرة، فتشمل من يقوم على عقيدة ومن يقوم على فكرة فرعية، كمن يقوم على أساس فكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما من حيث السير فيقال المبدأ، من أجل أن يلاحظ أن هناك فكرة وطريقة، وأن الفكرة لا تسير إلا من حيث الطريقة، فالتعبير يختلف باختلاف القصد والمعنى واحد.

3- إرادة التكتل أن يوجِد الفكرة التي يقوم عليها هو الذي يجعله حزباً سياسياً، فلو لم يرد ذلك لا يكون حزباً سياسياً، فالذي يميزه عن غيره كون الإرادة جزءاً من تكوينه فكان جزءاً من تعريفه، أما الجمعيات الأخرى غير السياسية فالإرادة ليست جزءاً من تكوينها ولم تقم من أجل إيجاد الإسلام بل قامت من أجل أغراض أخرى، أما كونها تحب أن يوجد الإسلام فذلك مجرد أماني وليست إرادة، فضلاً عن أنها لم تجعل الإرادة جزءاً من تكوينها.

4- إن معنى قيام التكتل على الفكرة هو أن يقوم عليها تفصيلياً، أي على فكرة تفصيلية، ولا يتأتى القيام على فكرة تفصيلية إلا بتبني هذه التفصيلات، وحزب التحرير من أول يوم قام إنما قام على فكرة تفصيلية، أي تبنى أفكاراً متعددة مستندة أو منبثقة عن الفكرة الأساسية، وتبنى هذه الأفكار، فالتبني للحزب للأفكار يعني قيامه عليها، أما كون هذه الأفكار كانت قليلة ثم كثرت، فذلك تابع لنمو الحزب، ففكرة التبني من حيث هي قام عليها الحزب وقام بالفعل على أفكار متبناة، لذلك يقال قام الحزب على الأفكار التي تبناها، وتبنى الحزب أفكاراً قام عليها.

5- إن أي حزبي يخالف ما تبناه الحزب في أعماله لا بد من النظر في أمره، أما الدارس فلا شيء عليه. وأما وجود بعض الأشخاص غير متبنين لأفكار الحزب، فإن ذلك قد يكون موجوداً، والحزب لا يبحث عنهم ولا يفتش عليهم، لأن فكرة التفتيش والتحري على أفراد الحزب غير موجودة وتحارَب ولا يصح أن توجَد، فكل فرد من أفراد الحزب هو الحزب، فمن الذي يفتش عليه؟ ولكن إذا جاهر بالعمل أو المناقشة بما يدل قطعاً وصراحة على عدم تبنيه للفكر، فحينئذ يُنظر في أمره إن كان حزبياً.

6- الصراع الفكري في الحزب يظل إلى أن تقوم الساعة، لأنه عمل من أعمال حمل الدعوة، فيقوم به الحزب سواء أكان في الحكم أم لم يكن، ولكن ما ذُكر في الجواب مقصود منه بيان الحالة في الحكم لتميّزها عما قبل الحكم. فالصراع الفكري في دار الإسلام يكون مع غير المسلمين في دعوتهم للإسلام، ويكون مع المسلمين التائهين، ومع الذين يسيرون بآراء مغلوطة، ويكون في غير دار الإسلام بذلك، ومعنى كون الحزب قوّاماً على المجتمع هو أن يحارِب الأفكار المغلوطة سواء الموجودة أو التي تجِدّ. وبعد استلام الحزب للحكم ستجدون أن الصراع الفكري أصبح أشد وأقوى مما كان عليه قبل استلام الحزب للحكم.

7- إن ممارسة معالجة مشاكل الحياة هو إعطاء الرأي فيها سواء أكان الشخص حاكماً أم ليس بحاكم. فالمفكر يعطي رأيه في المشكلة، فإعطاؤه رأيه هو معالجة لها بالفعل، والقاضي يعطي رأيه في المشكلة، فإعطاؤه رأيه هو معالجة لها بالفعل، ولكن هذا الرأي يعطى على سبيل الالتزام، فتقوم قوة السلطة فتنفذه، والوالي يعطي رأيه في المشكلة، فإعطاؤه رأيه هو معالجةٌ لها بالفعل، ولكن هذه المعالجة تكون تنفيذاً لا مجرد كلام، لأن الوالي سلطة، فالمعالجة بالفعل واقعة في كل حال، والفارق هو التنفيذ الفعلي وليس المعالجة، أي أن الحزب خارج الحكم لا ينفذ ما أعطاه من معالجات بالفعل، وفي الحكم ينفذ المعالجات فعلاً.

8- الحزب يفترق عن المذهب، فأتباع المذهب هو مقلِّدون لرأي الإمام، وأما أعضاء الحزب فهم غير مقلدين لأحد بل الرأي رأيهم، وهم غير مقصورين على شرح وتوضيح الأفكار المتبناة، بل هم أيضاً مطالَبون بفهم ما تبناه الحزب باعتبارهم قد تبنّوه هم، فإذا وجدوه غير صحيح أو قاصراً أو غامضاً أو غير ذلك بادروا فوراً بمناقشته، فإما أن يكونوا على خطأ فيَرجعون، وإما أن يكون التبني خطأ فيصحح، وهنا يحصل لدى الشباب الحركة الفكرية، وتتابعها وتحمل مشقة البحث فيها يحصل النبوغ ويحصل الإبداع. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشاب لو لم يكن في الحزب لكانت وسائل تتبع المشاكل عنده محدودة على فرض أن وسائل الاطلاع غير محدودة، أما في الحزب فإن تتبع المشاكل غير محدود ووسائل الاطلاع غير محدودة، فيمر الرأي بثلاثة أدوار: أحدها الدراسة، والثاني التفكير، والثالث البحث والتتبع، ثم يخرج للناس بعد هذه الأدوار الثلاثة فكراً متبنى، فيصل للشاب، وهو بدوره يأخذه ويفهمه ومن فهمِهِ له يتبين ما إذا كان هذا الفكر في حاجة حتى يفهمه هو إلى دراسة وتفكير وبحث أم لا، فإن لم يجده في حاجة أخذه، وإن وجده في حاجة درسه وفكّر فيه وبحثه وتتبعه، فهذا هو الذي يوجِد الإبداع في الحزب ككل، ولولا وجود الشاب في الحزب لَما حصل على ما يسهّل له الإبداع، أما الأمّة فإنها بوجود الأفكار المبدعة تنتبه إلى ما لديها من أفكار عفنة ومن مفاهيم منتنة فتشم نتنها، وترى عفنها، وحينئذ تدرك ضرورة أن تفكر، وهذه أول خطوة في الإبداع، فالحزب يدل الأمّة على طريق الإبداع، فهو يوجِد في أفراده الإبداع بالفعل عن طريق التبني، ويوجِد في الأمّة الإبداع عن طريق بث الأفكار التي تبناها ويحملها على أن تسير في طريق الإبداع، وبالتالي يوجِد فيها الإبداع.

9- الحزب الشيوعي يجعل نفسه هو الأمّة، فهو لا يسمح لأحد أن يكون في مجلس الأمّة من غير الحزب، ولا يسمح لأن يكون أحد في الحكم من غير الحزب، والانتخابات الديمقراطية تجري في الحزب. أما الأحزاب الرأسمالية فإن معنى استلامها للحكم أن يتولى أعضاء الحزب الحكم في الوزارة وفي الولايات وحتى في السفراء، والانتفاع من خارج الحزب في الحكم شيء شاذ، ولا يكون إلا لضرورة. أما حزب التحرير فلا يجعل نفسه هو الأمّة بل أعضاؤه أفراد من الأمّة، والخليفة لا ينتخبه الحزب بل يرشحه، والأمة هي التي تنتخبه وتبايعه. ثم إن الحزب لا يفرق بين أعضائه وبين أي فرد من أفراد الأمّة، فالمقياس هو الكفاية وليس الحزبية، فمن كان أهلاً أُخذ، ومن كان غير أهل لا يؤخذ، فالحزبية في الحكم عند غير حزب التحرير من الأحزاب هي الطاغية على الحكم، والأمة في حزب التحرير هي التي يجب أن يطغى رأيها ومصلحتها على الحكم، ولذلك هنالك فارق كبير بين حزب التحرير وباقي الأحزاب.

10- في الدولة الإسلامية إذا كان الحزب في الحكم تولّت فكرته تصريف شؤون الناس، وقدّم للأمّة من الرجال من يباشر تصريف شؤون الناس بفكرته، وإذا كان خارج الحكم حاسب الخليفة والحكام في تصريف شؤون الناس على أساس فكرته، فوضعه خارج الحكم كوضعه داخل الحكم هو جعل فكرته هي التي تحكم، فإن كان داخل الحكم قدّم أفراداً ليباشروا جعل فكرته تحكم، وإن كان خارج الحكم سعى لجعل فكرته تحكم، فهو داخل الحكم يباشر بالفعل وخارج الحكم يسعى. ولذلك فإن وضعه كحزب يبقى في الحكم كما كان خارج الحكم، سواء أكانت الدولة إسلامية أو ليست إسلامية، لا يختلف الحال مطلقاً.

والذي يمكن تلخيصه هو: أن الدولة الإسلامية هي الخليفة، فمعنى قيام الدولة الإسلامية هو قيام نظام الخلافة، والخليفة يصرّف أمور الناس بالشرع، وبرأيه فيما أعطاه الشرع أن يصرّفه برأيه. فالحزب يكون قد شرح للأمّة أفكاره وآراءه، فحين يخلو منصب الخلافة يقدّم الحزب للأمّة رجلاً من رجاله ليكون خليفة، فإذا انتخبته الأمّة وبايعته يكون الحزب قد استلم الحكم ولو لم يكن له في مجلس الشورى أو مجلس الأمّة أي عضو، وإن لم تَنتخب ولم تبايع رجلاً منه لا يكون قد استلم الحكم ولو كان كل أعضاء مجلس الشورى أو مجلس الأمّة من الحزب.

هذا هو ما يحصل عملياً في مسألة تولي الحزب الحكم في الدولة الإسلامية، والخليفة عضو في الحزب ويظل عضواً في الحزب، فهو في الحكم يقوم بعمل فيجب أن يقوم به بالأفكار التي تبناها الحزب كأي عضو من الأعضاء يقوم بأعماله، فهو مقيّد بما تبناه الحزب في كل شيء، ولا يصح أن يحكم بأفكار غير متبناة، ولكنه وهو خليفة للمسلمين لا يتصرف بالحكم برأي الحزب بل بما تقتضيه مصلحة المسلمين، يعني لا يقرر الحزب تصرفاته كما أن الحزب لا يقرر تصرفات الأجير عند مستأجره. فمَثَل الخليفة في الحكم كمثل الموظف في الوظيفة ومثل الأجير عند المستأجِر، مقيّد بما تبناه الحزب من أفكار، ولكن لا يقوم بوظيفته حسب قرارات الحزب بل حسب الوظيفة.

وما دام الخليفة لا بد أن يطبق أفكار الحزب، إلا أن الأمّة هي التي نصّبته وليس الحزب، ولذلك يأخذ من شباب الحزب ما يلزم ضرورياً لأفكار الحزب أي لتطبيقها، ويأخذ لمصالح الأمّة ولرعاية شؤونها وتصريف أمورها ما يضمن حسن الرعاية وحسن التصريف وحسن إدارة المصالح. هذه هي المسألة باختصار: خليفة من حزب، انتخبته الأمّة وبايعته، يجب أن يطبق أفكار الحزب، يجب أن يقوم بتصريف أعمال الأمّة ورعاية شؤونها وإدارة مصالحها سواء أكانوا من الحزب أو من غيره. وهو، أي الخليفة، نائب عن الأمّة وليس نائباً عن الحزب، فليست قرارات الحزب هي التي تسيّره بل يسيّر كما يسيّر الموظف في وظيفته.

11- لجان الولايات لها صلاحية التبني منذ سنة 1958م وحين صدرت نشرة دخول المجتمع، وقد بيّنت مصالح بالفعل في كل من الكويت والأردن وسورية، وحين يكون الحزب في الحكم المفروض أن تكون قيادته في الحكم، فتقوم الولايات بتبني مصالح الأمّة في الولاية، وترسل للقيادة تقريراً عما فعلت، والقيادة تشرف على هذا التبني كما هي الحال الآن، وبذلك لا يحصل ما ذكرتموه من انقلابها إلى أحزاب، أي أن لجان الولايات لا يمكن أن تصبح أحزاباً بسبب التبني، سيما وأن الحزب ليس التبني فقط، ثم أن التبني نفسه خاضع للقيادة.

30 من جمادى الآخرة 1387هـ

8/9/1967م