بسم الله الرحمن الرحيم
أجوبة أسئلة:
1- الحزب المبدئي هو تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يراد إيجاده في المجتمع، وبعبارة أخرى هو فكرة تتجسد في مجموعة من الناس يراد أن تتجسد في المجتمع أي في العلاقات. فالمبدأ أو الفكرة هو الأساس في الحزب وهو روح الحزب، وقيام التكتل عليها أي تجسدها في المجموعة من الناس هو الذي يوجِد الحزب في الحياة أي يبرزه إلى الوجود، وهو الخطوة التالية لإيجاد الحزب بعد الاهتداء إلى المبدأ أو إلى الفكرة، وإرادة إيجاد المبدأ أو الفكرة في المجتمع هي التي تجعله حزباً وتميزه عن باقي التكتلات. فالتكتل حتى يكون حزباً مبدئياً لا بد أن تتوفر فيه الأمور الثلاثة وهي المبدأ أو الفكرة، وكونه يقوم عليها أي تتجسد في المجموعة، وأن يراد منه، أي التكتل، أعني من عملية التكتيل، إيجاد هذا المبدأ أو هذه الفكرة في المجتمع، أي في العلاقات. فتوفُّر هذه الأمور الثلاثة في التكتل شرط أساسي وضرورة حيوية وبدونها وبدون أي واحد منها لا يكون حزباً مبدئياً.
هذا هو واقع الحزب المبدئي، وهذه هي طبيعة تكوينه، ولذلك كان تبني كل فرد من أفراد هذا التكتل لكل فكر من الأفكار التي تبناها الحزب ولكل حكم من الأحكام التي تبناها أمراً لازماً لزوم الروح للحياة، وبدونه لا يكون الفرد من الحزب بل بدونه لا يكون التكتل هو مجموعة من الناس جرى تكتلهم على مبدأ أو على فكرة، فلا وجود لهذا التكتل بدون المبدأ أو بدون الفكرة، وبالتالي لا وجود لجزئية الفرد في الكتلة بدون أن يتبنى الفكرة التي قام عليها التكتل، أي تبناها التكتل. ولذلك يجب على كل فرد يريد أن يكون جزءاً من هذا التكتل أن يتبنى المبدأ أو الفكرة التي يتبناها التكتل، وذلك كشرط أساسي وضرورة حيوية لأن يتأتى جعله جزءاً من الكتلة.
والفكرة التي يقوم عليها حزب التحرير وتتجسد في مجموعة أفراده هي الفكرة الإسلامية، أي العقيدة الإسلامية بما ينبثق عنها من أحكام وما يُبنى عليها من أفكار. إلا أن هذه الفكرة الأساسية والعقيدة الإسلامية ليست خاصة بحزب التحرير وحده بل تقوم عليها الأمّة الإسلامية كلها، بل كل فرد منها، ويقوم عليها كل تكتل إسلامي، بل كل فرد من أفراد أي تكتل إسلامي، ولذلك لا يكفي التكتل أن يقوم على الفكرة الإسلامية، أي العقيدة الإسلامية، بشكل إجمالي، حتى يكون حزباً معيناً، بل لا بد أن يقوم على الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي بالقدر الذي يلزمه كحزب سياسي، أي بالقدر الذي يلزم إيجاد الإسلام في المجتمع، أي تجسيد الإسلام في العلاقات. ومن هنا كان لا بد لكل حزب إسلامي حتى يكون حزباً سياسياً أن يتبنى الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي يكفي لإيجاد الإسلام في العلاقات، أي لا بد أن يتبنى أفكاراً معينة وأحكاماً معينة منبثقة عن العقيدة الإسلامية أو مبنية عليها يريد أن يجعلها تتحكم في العلاقات وأن يجعل تصريف شؤون الناس وتسيير أمورهم بها وحدها، ولذلك كان لا بد لحزب التحرير حتى يكون حزباً سياسياً، أي حتى تتوفر له الأمور الثلاثة: الفكرة التي يقوم عليها والتي يريد إيجادها في المجتمع، أن يتبنى الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي يكفي لإيجاد الإسلام في المجتمع، ولذلك تبنى أفكاراً وأحكاماً معينة وقام على هذه الأفكار والأحكام، فتبناها وتكتّل عليها من أجل إيجادها في المجتمع، فكانت هذه الأفكار والأحكام المعينة هي الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي. ومن هنا كانت هذه الأفكار والأحكام كلها وكل فكر وكل حكم منها روح الحزب وأساس حياته، وهي التي تجعله حزباً سياسياً وبدونها لا يكون له وجود. ولذلك كان تبني الأفكار التي تبناها الحزب جميعها فكراً فكراً بعينه وكما تبناه الحزب هو الذي يجعل الفرد جزءاً من الحزب، أي هو الذي يجعله عضواً في الحزب، وبدونه لا تحصل له العضوية ولا يكون جزءاً في الحزب. ولهذا فإن الشخص الذي لا يتبنى أفكار الحزب لا يكون قد دخل الحزب ولا صار جزءاً منه، ولو انتسب إليه، لأن شرط جزئية الحزب تبنّي ما تبناه، أي قيام الشخص على نفس الفكر الذي قام عليه الحزب، وإذا لم يقم عليه لا يكون منه ولا بوجه من الوجوه.
قد يقال إن الشخص يتبنى مجموع أفكار الحزب ولكنه لا يتبنى بعض الأفكار لعدم قناعته بها أو لعدم ترجيحه دليلها فيكون عضواً في الحزب بتبنيه هذه الأفكار ولا يخرج من جزئيته للحزب بعدم تبنيه بعض الأفكار. قد يقال ذلك. والجواب عليه هو أن الموضوع ليس الأفكار بحد ذاتها، ولا تبنّي أفكار بعينها، بل الموضوع هو التبني بعينه، أي فكرة التبني، فقيام الحزب على الفكرة، هذا القيام هو التبني، وهو موضوع البحث، فتَجسّد الفكرة هو تبنيها، وقيام التكتل عليها هو عين تبنيها، فالموضوع هو التبني بذاته، ولهذا كان تبني الحزب لشيء أي لفكر أو حكم بغض النظر عن هذا الفكر أو الحكم ما هو، وبغض النظر عن كميته، هو الذي جعله حزباً وهو الذي يجعل الفرد جزءاً إذا تبنى هذا الذي حصل تبنيه بالفعل وصار روح الحزب، وهو الذي يجعل الفرد خارج الحزب، أي ليس جزءاً منه إذا لم يجعل ما تبناه الحزب وصار روحاً له متبنى لديه على الوجه الذي تبناه الحزب، ولذلك لا يصح لعضو الحزب أن لا يتبنى ما تبناه الحزب من أفكار وأحكام، بغض النظر عن نوعها، وبغض النظر عن قلتها وكثرتها، فإذا فعل ذلك خرج عن جزئية الحزب ولو بفكر واحد وصار غير جزء من الحزب أي غير عضو فيه ولو ظل معدوداً من أعضائه. لذلك لا يصح لأي عضو أن لا يتبنى أي فكر تبناه الحزب ولو فكراً واحداً لأنه يكون حينئذ رفض التبني من حيث هو، أي رفض قيام التكتل على الفكرة ، وهذا يجعله خارج التكتل.
ولذلك فإن مسألة تبني أفكار معينة وأحكام معينة أمر لا بد منه، لأنه تبني الفكرة الإسلامية بشكل تفصيلي، ولأن هذا التبني هو الذي يجعل التكتل حزباً سياسياً، وهو الذي يميزه عن غيره، وكان تبني كل عضو في الحزب لكل فكر ولكل حكم تبناه الحزب كما تبناه شرطاً أساسياً وضرورة حيوية لجعله عضواً في الحزب أي ليكون جزءاً من الحزب.
2- إن الحزب يعمل لإنهاض الأمّة نهضة صحيحة، وحين تنهض يعمل للمحافظة عليها من الانتكاس ولجعلها تسير في مدارج الارتفاع من عليّ إلى أعلى، وطريقته في إنهاض الأمّة هي الفكر، لأن النهضة هي الارتفاع الفكري، وطريقته في حماية الأمّة من الانتكاس هي الفكر، لأن الانتكاس إنما يكون من الفكر، ومن هنا كانت طريقة الحزب الوحيدة في عمله هي الفكر ليس غير. ولذلك يقوم الحزب باعتناق المبدأ الذي ينهض الأمّة وبمحاربة المبدأ الذي يخالفه حرباً دموية حين يتولى الحكم وصراعاً فكرياً في جميع الحالات، ويقوم بتبني الأحكام المنبثقة انبثاقاً صحيحاً عن عقيدة المبدأ والمبنية بناءً صحيحاً على عقيدة المبدأ، باعتبار أنها وحدها التي تنهض الأمّة نهضة صحيحة، وباعتبارها هي المبدأ أي هي عقيدة المبدأ بشكل تفصيلي.
والأحكام هي معالجة لواقع، والأفكار تعبير عن واقع، وهي في نفس الوقت مستنبَطة من نصوص الكتاب والسنّة، أي مأخوذة من العقيدة أو مبنية عليها. فأخذها لإنهاض الأمّة بها يقتضي دقة فهم الواقع وصحة فهم النص، وهذا قد يقع فيه الخطأ كما يقع الصواب، لذلك كان لا بد من مقياس صحيح يضمن تنقية الحزب من الأفكار الخطأ وتقليلها ما أمكن، ويعيد الحزب إلى الصواب بسهولة ويُسر، ومن أجل ذلك اتخذ الحزب قاعدة السير في طريق الكمال وجعل مقياسه لما تبناه الحزب من أفكار وأحكام أن ما تبناه صواب يحتمل الخطأ وما تبناه غيره خطأ يحتمل الصواب. فلأجل أن يظل واثقاً من صحة ما تبناه من أفكار وأحكام ينقَّب دوماً في أفكاره لتنقيتها من كل شائبة قد تلحق بها، ويصغي لكل رأي فيما تبناه ويصيخ بسمعه لكل ما يحصل في المجتمع مما يتعلق بالأفكار والأحكام حتى يظل ما تبناه في الذروة التي لا يطالها أحد من الصحة والصدق والقوة ودقة الانطباق. وفوق ذلك فإن الحزب ككل وكل فرد من أفراده ينفي بقوة وبشدة كل ما من شأنه أن يضفي أي قداسة مهما قلت على الأفكار، ويكرر دوماً بكل قوة أن ما تبناه صواب يحتمل الخطأ فيحارب كل قداسة للأفكار، وفي نفس الوقت لا يجعل أفكاره في مهب الريح، فالأصل فيها أنها صواب، وأما كونها خطأ فهو مجرد احتمال وهو خلاف الأصل وإثباته يحتاج إلى البرهان والدليل.
وعلى ذلك فإن التبني من حيث هو إذا نُفيت عنه القداسة والعصمة نفياً باتاً وكان له مقياس، وسار على قاعدة السير في طريق الكمال، فإنه يكون ضامناً لتحقيق النهضة وللحيلولة دون الانتكاس، ولا يوجد فيه أي احتمال لأن يكون حجر عثرة في سبيل النهوض. لأن الحزب السياسي يمارس معالجة مشاكل الحياة بالفعل سواء أكان في الحكم أم لم يكن، فهو أقدر الجميع على فهم الحياة وفهم وقائع الحياة، وهو دائماً في صراع فكري مع الناس أفراداً وتكتلات، فهو دائم التنقيب والبحث، فكان أقدر الناس على الإطلاق على فهم النصوص من حيث صيغتها ومن حيث انطباقها على الوقائع الجارية، ولذلك كان أقدر الناس على معرفة الأفكار التي تحقق النهوض، والأفكار التي تؤدي إلى الانتكاس أو تحدثه، وكان أمهر الناس في فن بث الأفكار التي توجِد النهضة ومحاربة الأفكار التي تسبب الانتكاس، ولهذا كان تبني الحزب أي فكرة، التبني من حيث هي، من أعظم الطرق في إيجاد النهضة وفي الحيلولة دون انتكاس المجتمع. ولذلك لا يقال إن إلزام أعضاء الحزب بتبني ما تبناه يعرقِل النهوض ويحُول دون الإبداع، بل على العكس من ذلك هو الذي يتيح لأفراد الحزب الإبداع ويجعل كل واحد منهم وهو فرد يجعله الحزب كله، فالحزب كلٌ فكريٌ شعوري، يتجلى ما فيه ككل في مجموعة أفراده بوصفهم الفردي فوق وصفهم التكتلي. فالتبني فوق كونه هو الذي يوجِد النهضة في المجتمع ويحُول دون انتكاس هذا المجتمع، فإنه هو الذي يوجِد الإبداع في أفراد الحزب وبالتالي يوجِد الإبداع في أفراد الأمّة ولو لم يكونوا أعضاء في الحزب. فكان لا بد من التبني في الحزب، ولا بد من الإلزام فيما حصل بالفعل من تبنٍ.
3- إن تسلم الحزب، أي حزب التحرير، للحكم، ليس كتسلم الأحزاب الموجودة في العالم، لا كالأحزاب الشيوعية ولا كالأحزاب الرأسمالية. فالحزب حارس أمين للإسلام، وهو قوّام على المجتمع، يعمل لإنهاضه ويحُول دون انتكاسه. هذا هو عمله، لا فرق في ذلك بين أن يكون في الحكم وبين أن يكون خارج الحكم. فإذا كان خارج الحكم استعمل الفكر لحراسة الإسلام بكل ما يلزم لهذه الحراسة، وكان قوّاماً على المجتمع بكل ما يلزم لهذه القوامة، وطريقته في ذلك بث الفكر، فهو يحاسب الحكام ويتبنى مصالح الأمّة ويكشف خطط الكفار والمنافقين، أي يقوم بالكفاح السياسي بكل ما يلزم في هذا الكفاح، وفي نفس الوقت يحارب ما في المجتمع من أفكار ومشاعر فاسدة، وما يطرأ عليه من أفكار ومشاعر غريبة أو منحطة، بالثقافة الجماعية والثقافة المركزة وبالنقاش والمناظرة والمحاضرة، وكل ما يقتضيه بث الفكر، أي يقوم بالصراع الفكري بكل ما يلزم في هذا الصراع، وبالثقافة بجميع وسائل التثقيف. وإذا كان داخل الحكم، أي كان الحزب هو الحاكم، فإن عمله هذا لا يتغير مطلقاً، فيظل حارساً للإسلام قوّاماً على المجتمع تماماً كما كان قبل تسلم الحكم من غير أي فرق مطلقاً سوى أمر واحد هو أن أفكاره التي يتبناها تطبَّق بالفعل، وصار تصريف شؤون الناس وتسيير أمورهم يجري بحسب ما تبناه من أفكار وأحكام. هذا هو الفرق بين الحالتين من حيث وضع الأفكار المتبناة لا من حيث أعمال الحزب.
فالذي يصل إلى الحكم هو الفكرة التي يقوم عليها الحزب بشكلها التفصيلي كما تبناها وليس أفراد الحزب. فالحزب يعمل لإيصال فكرته للحكم لا لإيصال أفراده، غير أنه لمّا كانت فكرة الحزب لا يمكن أن يُحسن تطبيقها إلا من تبناها وعاش عليها ومن أجلها، كان لا بد أن يتولى الحكم أفراد من الحزب يتولون تطبيق فكرته، فكان هذا هو المظهر المادي لإيصال فكرة الحزب إلى الحكم، وكان هذا هو معنى وصول الحزب إلى الحكم. فوصول الحزب إلى الحكم هو تسلم بعض أفراده زمام السلطة من أجل تطبيق أفكار الحزب، فالذي وصل إلى الحكم هو فكرة الحزب لا أفراده، وما تسلُّم بعض الأفراد للحكم إلا المظهر المادي لهذه الفكرة والضمان لإحسان تطبيقها. ولذلك كان لا بد أن يُقتصر فيها على أقل عدد يكفي لتطبيق فكرة الحزب ويضمن إحسان تطبيقها. فكان لا بد أن يكون الخليفة من الحزب، ولا بد أن يكون المعاونون من الحزب، ولا بد أن يكون أمير الجهاد من الحزب، فهذه الجهات الثلاثة من جهاز الحكم لا بد أن تكون من الحزب ليتأتى تطبيق الفكرة وليضمن إحسان تطبيقها. أما ما عدا ذلك من أجهزة الحكم فإنه يجوز أن تكون من الحزب ويجوز أن تكون من غير الحزب، والخط العريض هو التأكد من تطبيق فكرة الحزب وضمان إحسان تطبيقها، فما يلزم لذلك يؤخذ وما لا يلزم لذلك يستوي فيه أفراد الحزب مع غيرهم من الناس، فالهدف الذي يجب تحقيقه هو وصول فكرة الحزب إلى الحكم وتصريف شؤون الناس بها.
وإلى جانب كون وصول فكرة الحزب إلى الحكم هو وصول الحزب إلى الحكم، فإن الحزب يحاذر أن يحمل شباب الحزب على رقاب الناس، ويحتاط لذلك أشد الاحتياط. يروى عن عمر بن الخطاب أنه لما اختار أهل الشورى، أي الستة التي تكون الخلافة فيهم، جاء بعلي وقال له: "يا أبا الحسن، إذا ولّوك إياها فلا تحمل بني هاشم على رقاب الناس" وجاء بعثمان وقال له: "يا عثمان إذا أُعطيتها فإياك أن تحمل بني أمية على رقاب الناس". والخليفة إذا كان من حزب التحرير فإن شباب الحزب يكونون له بمثابة بني هاشم لعلي وبني أمية لعثمان، فلا يصح أن يحملهم على رقاب الناس، ولذلك لا يُكتفى على الاقتصار على الأقل الأقل من الأفراد الذين يلزمون لتطبيق الفكرة ولإحسان تطبيقها، بل يبعِد شباب الحزب عن الحكم، ويحاذر أن يحملهم على رقاب الناس، ويعمل دائماً كعضو في الحزب لأنه يظل هذا الحزب بعد الحكم كما كان قبل الحكم، عمله كله الذي هو موجود من أجله، أن يكون حارساً للإسلام، قوّاماً على المجتمع.
بقيت مسألة واحدة وهي محاسبة الحزب للحاكم، هل يقوم الحزب كحزب في محاسبة الحاكم أم لا؟
والجواب على ذلك أن الحزب يقوم بأربعة أعمال هي الثقافة المركزة والثقافة الجماعية، وهذه لا يرِد فيها موضوع المحاسبة، فيظل الحزب يقوم فيها بعد الحكم كما كان يقوم بها قبل الحكم، ويقوم بالصراع الفكري بعد الحكم كما كان يقوم به قبل الحكم، ويقوم بتبني المصالح وكشف الخطط. أما تبني المصالح فإن الحزب يقوم فيها قبل الحكم من قِبَل قيادته ومن قِبَل لجان الولايات، وبما أن قيادته بعد الحكم تقوم بتصريف شؤون الناس وتدبير أمورهم بالفعل، فلا يرِد في حقها موضوع تبني المصالح، ولذلك تبقى صلاحية لجان الولايات في تبني المصالح بعد الحكم كما كانت قبل الحكم، فتتولى هي باسم الحزب تبني مصالح الأمّة. وأما كشف الخطط فإنه غير وارد لأنه كشف لخطط الكفار والمنافقين، والحزب يصارع الكفار والمنافقين في الدولة بالجهاد وإقامة الحدود وتنفيذ أحكام الشرع، فلا يرِد موضوع كشف الخطط، ولا يبقى له وجود في الحزب كحزب، فيكون عمل الحزب بعد الحكم كعمله قبل الحكم سواء بسواء من غير أي فرق، سوى أن محاسبة الحكام في موضوع كشف خطط الاستعمار لم يعد له وجود لأن وجود الحزب في الحكم قد ألغى موضوع كشف خطط الاستعمار إذ تولى هو مقاومتها بالفعل، وتبقى محاسبة الحكام في تبني المصالح كما كانت قبل الحكم تقوم بها لجان الولايات.
وعلى ذلك فإن الحزب يظل يقوم بأعماله كلها بعد الحكم كما كان قبل الحكم تتولاه الأجهزة كلها كالعادة وتسيّره لجنة القيادة طبيعياً، ما عدا محاسبة الحكام فتقوم بها لجان الولايات ولكن في تبني المصالح فقط، فتحاسب الحاكم كحاكم ولو كان من القيادة لأن لها صلاحيات محاسبة الحاكم بوجود لجنة القيادة، ولأن لها صلاحيات محاسبة لجنة القيادة كلجنة قيادة، وعلى ذلك تكون محاسبة الحزب للحاكم وهو في الحكم كمحاسبته وهو خارج الحكم سواء بسواء.
4- هناك نقطة غير متميزة لدى بعض الشباب وهي الفرق في القَسَم بين التبني وبين تنفيذ القرارات، فهم يخلطون بين الاثنين، والحقيقة أن القَسَم لا يقول أن أتبنى وأن أخالف رأيي بل يقول: "متبنياً" ثم عند القَسَم على القرارات يقول: "ومنفذاً قراراته وإن خالفَت رأيي". فمسألة مخالفة الرأي هي في التنفيذ، وهذا هو المتبع في الكون كله من أن وُجد البشر وإلى أن تقوم الساعة أن الأمر إذا صدر ينفَّذ حتماً بغض النظر عن كونه رأي المنفذ أو خالفه، وهذا لا يناقِش فيه إلا جاهل.
أما مسألة التبني فإن تبني الحزب فيه يختلف عن تبني الخليفة، فتبني الخليفة هو أمر وهو قرار، فعلى جميع المسلمين أن ينفذوا ما تبنى الخليفة سواء أوافق رأيهم أو خالفه، لأن طاعة الإمام فرض ولأن ما تبناه نافذ ظاهراً وباطناً، فهو قرار ينفذ وإن خالف رأي المنفذ، فتبني الخليفة للرأي ليس تبنياً للمسلمين، ولا يُطلب من المسلمين أن يتبنوه بل هو أمر للمسلمين وقرار منه فيجب عليهم أن ينفذوه وإن خالف رأيهم، ولكن لا يتبنونه بل يتبنون الرأي الذي يريدون. أما تبني الحزب فهو تبنٍ لكل عضو من أعضائه، فهو ليس قراراً من الحزب يُطلب من شبابه أن ينفذوه ولو خالف رأيهم، بل هو تبنٍ للحزب، فهو تبنٍ لكل شاب من شبابه، فالمسألة فيه ليست قراراً يُتخذ ولا أمراً يُطلب تنفيذه، بل هو رأي للحزب كله. والحزب هو مجموع الشباب ومجموع الأجهزة، وتعريف الحزب هو أنه تكتل يقوم على مبدأ آمن أفراده به يراد إيجاده في المجتمع، فالتكتل هو تجمّع أشخاص على فكرة، فما يُتبنى لهذا التكتل يُتبنى لكل شخص من هؤلاء الأشخاص الذين تكتلوا على الفكرة، فلا يرِد فيه موضوع "ولو خالف رأيي" بل لا ترِد فيه مسألة الموافقة والمخالفة مطلقاً، لأن الرأي الذي جرى تبنيه للتكتل هو رأي لكل فرد موجود في التكتل، ولذلك فإنه حين يجرى تبنيه يبيَّن ويُنشر بوصفه رأياً للتكتل كله، أي بوصفه رأياً لكل شخص موجود في التكتل، ولكل شخص من أفراد التكتل أن يناقِش فيه وفي صحته وقوة دليله وانطباقه على الواقع وأن يواصل المناقشة باعتباره رأيه، لأن رأي الحزب هو رأيه. فإذا أدرك وجه التبني وقوة الدليل كان رأيه، وكذلك إذا لم يُدرِك وجه التبني وقوة الدليل كان رأيه أيضاً، وعليه تركُ رأيه واتخاذ هذا الرأي رأياً له، وترك المجتهد رأيه وأخذ رأي غيره مسألة بديهية عند المسلمين بل عند أجلاء الصحابة، فعمر قد ترك رأيه لرأي علي، وأبو بكر ترك رأيه لرأي علي، وعثمان ترك رأيه لرأي عمر، وهكذا كثير. فليترك رأيه وليجعل رأي الحزب رأيه فإنه بعد تبنيه صار رأي الحزب فصار رأيه بديهياً وطبيعياً ولا كلام.
وهذا هو الفرق بين تبني الحزب للأفكار وبين اتخاذ قراراته، فالأفكار حين يتبناها الحزب صارت رأياً لكل عضو في الحزب بشكل بديهي وطبيعي، أما القرارات فهي ليست متبناة، بل هي أوامر للتنفيذ، فهي لا تُتَبنى وإنما تنفذ ولو خالفت رأي المنفذ، لأنه لم يجر فيها تبنٍّ وإنما صدر الأمر بها. وكذلك هذا هو الفرق بين تبني الخليفة وتبني الحزب، فتبني الخليفة لا يُلزم المسلمين بأن يتبنوا ما تبناه، وإنما يُلزمهم بتنفيذ ما تبناه باعتباره أمراً من أوامره التي أصدرها، بخلاف ما تبناه الحزب فإنه لا يرد فيه موضوع التنفيذ وعدم التنفيذ، فهو مفهوم من المفاهيم قد يمر العمر كله ولا ينفذه أحد، ولكنه متبنى، فكل فكر يتبناه الحزب يكون فكراً متبنى من كل عضو من أعضائه. ولهذا كان من الخطأ الفاحش، بل من الجهل أن يقول حزبي: "هذا رأي الحزب أقوله، أما رأيي أنا فليس كذلك"، فإنه لا يوجد لحزبي رأي غير رأي الحزب، لأنه هو الحزب باعتبار الحزب كلاً فكرياً شعورياً، وهو جزء من الحزب، باعتبار الحزب تكتل أفراد على فكرة، فالرأي رأيه ورأي كل حزبي. وحتى لو أن الحزبي مجتهد مطلق وتبنى الحزب رأياً خلاف رأي هذا المجتهد المطلق فإن عليه أن يترك رأيه فوراً، لأنه بمجرد تبني الحزب رأياً صار هذا الرأي الذي تبناه الحزب هو رأيه لا الرأي الذي استنبطه، وإذا لم يترك رأيه فعليه أن يترك الحزب فوراً لأنه خرج عن جزئية الحزب ولو بمفهوم واحد، إذ خرج عن معنى التبني من حيث هو. فلا يوجد للحزبي رأي وللحزب رأي آخر، بل رأي الحزب هو رأي الحزبي ولا رأي له غيره ولا بوجه من الوجوه. فالشاب حين دخل الحزب اطلع على عقيدته وعرف بعض ثقافته وبعض أفكاره المتبناة فرضي بها وسلّم بها والتزمها سواء أكان ذلك عن قناعة تفصيلية أم عن قناعة إجمالية في الحزب ككل، فبعد دخوله في الحزب تبنى طبيعياً وآلياً كل ما تبنى الحزب من آراء قبل دخوله، سواء عرفها أو لم يعرفها، وتبنى كل رأي سيتبناه الحزب في المستقبل. فالمسألة إذن ليست القناعة بكل رأي ولا القناعة بآراء معينة، بل القناعة بالكل، بكل ما يحدث فيه من تفصيلات، فلا يصح أن تُبحث على الصعيد الفردي بالقناعة بالرأي، كما هي حال الفرد في الرأي الذي يريد أن يتبناه هو، بل تُبحث على صعيد كتلة تتبنى، فيدخل فيها بالكل قابلاً وملتزماً بكل التفصيلات السابقة واللاحقة. فالقضية ليست قضية تقليد ولا قضية اتباع ولا قضية اجتهاد حتى يُبحث فيها أخذ الرأي وتبنيه على صعيد القناعة وعدم القناعة، أو على صعيد قوة الدليل وضعف الدليل، بل القضية كتلة يدخل فيها بشرط أن يتبنى ما تتبناه، فإنْ قَبِل الشرط التزم، وإن رفضه لا يدخل الحزب.
8 من جمادى الأولى 1387هـ
14/8/1967م