بسم الله الرحمن الرحيم

  • أجوبة أسئلة:

1- القَسَم ثابت بالكتاب والسنّة. أما الكتاب فقد قال الله تعالى: (ولا تَنقُضوا الأيمان بعد توكيدها)، وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يُقسم في ثلاثة مواضع، فقال تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق) وقال تعالى: (قل بلى وربي لتأتينكم) وقال تعالى: (قل بلي وربي لتُبعثنّ). واستعمل القرآن القسم في عدة مواضع، قال تعالى: (فلا أقسم برب المشارق) (لا أقسم بيوم القيامة) (لا أقسم بهذا البلد) (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم). وأما السنّة فقد كان صلى الله عليه وسلم يقسم اليمين، فروي عنه أنه قال: (والذي نفسي بيده) (والذي نفس محمد بيده) وكان أكثر قسمه عليه السلام (ومصرّف القلوب) (ومقلّب القلوب)، وعن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والله لأغزون قريشاً) الحديث، وروي عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم أدركه وهو يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم. من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). والإكثار من حلف اليمين لا شيء فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحلف كثيراً، وقد كان يحلف في الحديث الواحد أيماناً كثيرة وربما كرر اليمين الواحد ثلاثاً، فإنه عليه السلام قال في خطبة الكسوف: (والله يا أمّة محمد ما أحد أغْيَر من الله أن يزني عبده أو تزني أَمَتُه، يا أمّة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً)، ولقيته امرأة من الأنصار معها أولادها فقال: (والذي نفسي بيده إنكم لأحب الناس إليّ ثلاثاً)، وفي حديث عكرمة المار قال عليه السلام: (لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً والله لأغزون قريشاً) مما يدل على أن الإكثار من اليمين أمر مشروع كاليمين ولا شيء فيه وليس بمكروه، إذ لو كان مكروهاً لكان النبي صلى الله عليه وسلم أبعد الناس منه. وأما قول الله تعالى: (ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم) فمعناه لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فعن ابن عباس في قوله تعالى: (ولا تجعلوا الله عُرضة لأيمانكم) "الرجل يحلف أن لا يَصِل قرابة وقد جعل الله له مخرجاً في التأخر فأمره أن لا يعتل بالله فليغفر وليَبَر"، وليس معنى الآية لا تحلفوا بالله كثيراً بل معناه لا تجعلوا كونكم حلفتم بالله شيئاً لعدم فعل الخير. وقد شُرعت اليمين للتأكيد، وقد أمر بها الله سبحانه وتعالى، فكل من يريد أن يؤكد لغيره يقسم له وكل من يريد أن يتأكد من غيره عن أمر يُطلب منه أن يقسم عليه، وهذا الأمر بالقسم يفيد الطلب، ولكن قول الرسول: (إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)، هذا القول من الرسول قرينة على أن هذا الطلب للإباحة، إذ لو كان فرضاً أو مندوباً لما أُمر بتركه لما هو خير. إلا أن القَسَم إذا كان من أجل القيام بفرض ولا يُتوصل للقيام به إلا به، يصبح في هذه الحالة القَسَم فرضاً عملاً بقاعدة "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب". أما التحلل منه فإنه وإن كان مباحاً إلا أنه إذا كان التحلل منه يؤدي إلى ترك القيام بالواجب كان حراماً عملاً بقاعدة "الوسيلة إلى الحرام حرام". وعلى هذا فإن جماعة في سفرِ واجب قد اشترطوا على كل من يصحبهم في سفرهم هذا الواجب أن يقسم يميناً معيناً يتأكدون منه، فإن لهم ذلك شرعاً عملاً بالنصوص، إن كان اليمين لمجرد التأكد من صدق من يطلب السير معهم، أما إن كان من أجل حماية جماعتهم من أن يكون فيها من يفرّقها أو للمحافظة على قوة جماعتهم وقوتها فإنه حينئذ يصبح واجباً عليها أن لا تقبل أحداً إلا بُقسم. أما المطلوب منه القَسَم إذا اقتنع أن هذا السفر واجب وأنه لا يستطيع أن يقوم بهذا الواجب إلا مع هذه الجماعة فإن القَسَم يصبح فرضاً عليه. أما التحلل من القَسَم، أي ترك الجماعة بعد القَسَم فإنه إن كان تركاً للقيام بالواجب كان التحلل من القَسَم حراماً ولو كفّر عن اليمين، أما إن كان للقيام بالواجب مع جماعة أخرى على وجه هو خير فالترك مباح ويكفّر عن يمينه.

2- إن أية مدرسة من المدارس قد أباح الشارع لها أن تتخذ لنفسها أسلوباً تدير به صفوفها وأعمالها، وأباح لها أن تشترط على من ينتسب لها أن يعلم فيها الشروط التي تراها، على أن لا تكون هذه الشروط مما حرّمه الشرع، ولذلك لا تُسأل المدرسة لِم فعلت ذلك المباح من الأساليب ولِم اشترطت تلك الشروط من المباحات. فإن هذا السؤال يعني أن السائل يقول لِم فعلتم هذا المباح؟ فإذا اشترطت المدرسة أن لا يعلّم في صفوفها إلا من تخرّج فيها، فإن لها ذلك ولو كان المتخرج من غيرها أعلم العلماء، فإذا أتاها علاّمة كبير وطلب أن يعلّم في صفوفها فإن لها أن ترفضه لأنه مباح لها ذلك. هذا إذا كانت لا ترى من تعليمه ضرراً، أما إذا رأت من تعليمه ضرراً أو ظنت أن يحصل من تعليمه ضرر فإن تمكينها له من التعليم في صفوفها لا يجوز لها. وإذا كانت المدرسة ترى وتشاهد أن تعليمها في الصفوف إنما هو تعليم للعمل وليس تعليماً لمجرد العلم، وترى أن التعليم لمجرد العلم ضرر عليها يهدمها هدماً، لذلك يجب عليها أن تُبعد عن الصفوف كل من تظن أن تعليمه هو تعليم لمجرد العلم، وحينئذ يجب عليها وجوباً شرعياً أن تجعل من يعلّم في صفوفها محصوراً فيمن يتخرج من صفوفها أي من يعلّم للعمل لا لمجرد العلم لأنها لا تتأكد من ذلك إلا بعد تخرجه من صفوفها. فالقضية في الصفوف إنما هي أن يتبع المتعلم فيها طريقة الإسلام في الدرس فينتج عنها أن يعلّم للعمل وليس لمجرد العلم، فكونها ترى أن التعليم لمجرد العلم ضرر عليها صار لا يجوز لها أن تمكّن أحداً من القيام به في صفوفها عملاً بقاعدة "كل فرد من أفراد الشيء المباح إذا وصل إلى الضرر صار هذا الفرد حراماً وظل الشيء مباحاً" المستنبَطة من تحريم الرسول الشرب من بئر ثمود لقافلته والخروج ليلاً منفرداً لمن معه حين كان سائراً إلى تبوك، وعليه فإن اشتراط المدرسة هذا أمر لا بد منه حتى يظل التعليم فيها للعمل وحتى لا ينالها ضرر التعليم لمجرد العلم.

3- إن تبني المسلم لحكم شرعي معين أمر لازم ولا مناص منه ولا بوجه من الوجوه عندما يباشر العمل بالحكم الواحد، فرضاً كان أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، يحتّم تبني حكم معين، وإذا تبنى حكماً معيناً صار هذا الحكم الشرعي هو حكم الله في حقه وصار ملزَماً به يعمل بموجبه وحده، ويعلّمه للناس ويدعو للإسلام بحسبه، لأن معنى تبني المسلم غير طاعة ما تبناه غيره. فإذا تبنى الخليفة حكماً وجبت طاعته ولم يجب تبنيه ولذلك يطيع المسلم ما تبناه الخليفة فرضاً ويترك ما تبناه هو في العمل لأن أمر الإمام نافذ. ولكنه يجوز له أن يعلّم غير ما تبناه الخليفة وأن يدعو للإسلام بغير ما تبناه الخليفة. أما إذا تبنى هو حكماً معيناً فإن الواجب عليه أن يعمل بهذا الحكم وأن يعلّمه وأن يدعو له ولا يجوز له غير ذلك، لأن معنى تبني المسلم للحكم هو العمل به وتعليمه لغيره والدعوة له حين يدعو لأحكام الإسلام وأفكاره سواء تبناه اجتهاداً بأن استنبَط هو الحكم أو تبناه تقليداً بأن قلّد هو غيره في هذا الحكم. وإذا تبنى المسلم حكماً معيناً صار هذا الحكم بعينه هو حكم الله في حقه وصار غيره ليس حكم الله في حقه. فإذا كان المسلم مقلّداً كان تبنيه بتقليد غيره سواء أكان عامياً كعامة المسلمين أو كان كطلبة العلم. وإذا كان المسلم مجتهداً كان تبنيه بناء على استنباطه هو للحكم باجتهاده هو، والمقلد والمجتهد يجوز لكل منهما أن يترك ما تبناه من أحكام وتبني غيرها إذا كان يراد جمع كلمة المسلمين على رأي واحد، لِما ثبت عن عثمان رضي الله عنه أنه قَبِل أن يبايَع من الناس على كتاب الله وسنة نبيه ورأي الشيخين من بعده أبي بكر وعمر، وهو تركٌ لما تبناه هو وتبنٍّ لما سبق أن تبناه غيره. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة وهو لِما ينكَر لأنه ترك لحكم الله في حقه إلى غيره ولم ينكِر عليه منكِر فكان إجماعاً. فهذا العمل من عثمان هو تبنٍ لما تبناه غيره وليس طاعة لما تبناه غيره، ولكن الصحابة الذين بايعوه عملهم بما تبناه عثمان طاعة وليس تبنياً، فيجوز لهم أن يعلموا خلافه وأن يدعوا إلى خلافه، ولكن لا يجوز لهم أن يعملوا بغير ما تبناه عثمان طاعة وليس تبنياً. فيجوز لهم أن يعلّموا خلافه وأن يدعوا إلى خلافه، ولكن لا يجوز لهم أن يعملوا بغير ما تبناه عثمان. أما عثمان نفسه يجب عليه أن يعمل بما تبناه أبو بكر وعمر وأن يعلّمه هو وأن يدعو له ولا يجوز له غير ذلك مطلقاً. وعلى هذا فإن من سبق له أن تبنى حكماً يجوز له أن يتبنى غيره في حالات، ومنها هذه الحالة، أي لا يجب عليه ولكنه إذا تبنى ما تبناه غيره أصبح ملزَماً بهذا الشيء بالعمل والتعليم والدعوة، فلا يجوز له أن يعمل أو يعلّم أو يدعو لغيره مطلقاً. ولذلك هو يطيع فيما يخالف رأيه وأيضاً هو يعلّم ما يخالف رأيه ويدعو لما يخالف رأيه، لأنه قد تبنى الرأي فصار ملزَماً بالعمل والتعليم والدعوة، وليس ملزَماً بهذا بالعمل فقط، لأنه تبنٍ وليس طاعة فحسب، حتى لو رأى حديثاً صحيحاً فَهم منه الحكم الشرعي خلاف ما تبناه غيره ممن تبنى رأيهم فإن عليه شرعاً أن يترك فهمه للحديث وأن يعمل بالحكم الذي تبناه ويعلّمه ويدعو له.

4- إن صفوف المدرسة يعلّم فيها في أوقات معينة، فترتّب المدرسة أو معلّم الصف وقتاً لابتداء الدرس ووقتاً لانتهائه. والصلاة أوجبها الله وجوباً موسعاً في وقت حدد ابتداؤه وحدد انتهاؤه. فعلى المدرسة أو معلّم الصف أن يجعل حصة الدرس على وجه لا يضيع الصلاة. فمثلاً لا يجعل حصة الدرس قبيل المغرب بحيث يحل وقت العشاء دون التمكّن من أداء صلاة المغرب. فهذا العمل حرام شرعاً لأنه يوصل إلى حرام، إذ أضاع الصلاة المفروضة في وقتها. ولكنه إذا جعل حصة الدرس بعد العشاء، فإنها مهما طالت تنقضي ووقت العشاء لم يخرج فحينئذ يجوز له أن يعيّن ابتداء الحلقة وانتهائها. ولمّا كان الصف لا بد أن يكون منظماً فإنه لا يُسمح للتلاميذ ولا للأستاذ بأن يقوم أثناء إعطاء الدرس من الصف ليؤدي صلاة العشاء، لأن وقت العشاء موسع فله أداؤه في كل وقت قبل الحصة وبعد الحصة، أما أثناء الحصة فهو تشويش لِما يقومون به من تعلّم، لا سيما وأن أداء صلاة العشاء قد أباح الشارع له أداءها في أول الوقت وفي آخر الوقت، فالقيام بمثل هذا التنظيم ليس إضاعة للصلاة حتى يقال "ضيع الله من ضيّعها" ولا هو يلهي عن الصلاة حتى يقال "لا بارك الله في عمل يلهي عن الصلاة" فإن تضييعها والإلهاء عنها إنما هو عدم أدائها حتى يخرج الوقت، أما عدم أدائها في أول الوقت أو أثناء الوقت لا يعتبر تضييعاً للصلاة ولا إلهاءً عنها ما دام يصليها في أي جزء من الوقت ولو في آخره ما لم يكن منهياً عنه كآخر وقت العصر.

3 رمضان 1381

7/2/1962