بسم الله الرحمن الرحيم
1- إن التعليق المؤرخ في
1- إن التعليق المؤرخ في 11/2 متعلق بمؤامرة مبيّتة يسخّر فيها الفدائيون لاستلام الحكم لتنفيذ المخطط المرسوم، فهو يطلب من الفدائيين وممن يطمعون في الحكم أن لا يستلموا الحكم، وهو لا يعني الحزب، فالحزب حين يستلم الحكم لا يقع في مؤامرات. وقد فَهِم ذلك جمهرة الشباب في الحزب، والتعليق المؤرخ في 26/2 يبين للناس أن الطريق لإنقاذهم هي إقامة دولة إسلامية على أساس العقيدة الإسلامية، فلا تناقض بين التعليقين. أما الكتاب المفتوح فهو يعني أن الأردن إجمالاً مع الحزب، الشعب والجيش والفدائيين، وهذا يعني أنهم يؤيدونه ويؤيدون فكرته، وبعبارة أخرى أن الأردن قاعدة شعبية للحزب. هذا ما يعنيه الكتاب المفتوح، ولكن كون الناس مع الحزب ويؤيدونه لا يعني أنهم يوصلونه للحكم، ولا يعني أنهم قادرون على تسليم الحكم، فالرأي العام، والتأييد العام لا يوصِل للحكم وإنما الذي يوصل للحكم هو القوة المادية القادرة التي تستعد لأن تموت في سبيل توصيل الحزب للحكم وما عدا ذلك فإن الأمل بأخذ الحكم عن طريق الرأي العام والتأييد العام هو سراب وخداع.
نعم إن الحزب المبدئي لا يقبل أخذ الحكم إلا إذا وُجدت له قاعدة شعبية، أي تجاوب معه الناس، ولكن وجودها لا يوصِل إلى الحكم، كما أن عدم وجودها لا يمنع من الوصول إلى الحكم.
1- فالمسألة بالنسبة لأخذ الحكم من حيث هو، هي شيء واحد معروف وهو: وجود قوة مادية كافية وقادرة على أخذ الحكم بالقوة عن طريق ثورة مسلحة أو انقلاب عسكري. أما تسلم الحزب المبدئي للحكم فهو إيجاد التجاوب مع الأمّة، أي إيجاد القاعدة الشعبية أولاً ثم بعد إيجادها توفر الشيء المعروف بداهة وهو وجود قوة مادية كافية وقادرة على أخذ الحكم. فالكتاب المفتوح يقول إن الأردن صار قاعدة شعبية ولا يقول إن الحزب يملك القوة المادية القادرة على أخذ الحكم، والحزب سائر في طلب النصرة، ومصرّ على طلب النصرة، فمتى وجد من ينصره ويكون قوة مادية كافية وقادرة على أخذ الحكم فإنه حينئذ يستلم الحكم، وما لم توجد هذه القوة المادية والقادرة على أخذ الحكم فإنه لا يمكن أن يصل إلى الحكم ولا بوجه من الوجوه. فالموضوع كله منذ سنة 1964م حتى الآن وحتى إلى ما شاء الله هو وجود قوة مادية كافية وقادرة على أخذ الحكم تستعد أن تموت في سبيل الحزب، تقوم هي بأخذ الحكم وتسليمه له وحمايته بعد تسلمه إياه، وهذا قد يحصل بعد سنتين وقد يحصل بعد عشر سنوات. هذا وحده هو الموضوع ولا موضوع غيره. وما على الحزب إلا أن يواصل طلب النصرة ليس غير.
2- نقطة الارتكاز هي المكان الذي تقام فيه الدولة أي المكان الذي يستلم الحزب فيه الحكم. إلا أن نقطة الارتكاز يشترَط فيها أن تكون قطرا يشكل كياناً تتوفر فيه جميع مقومات الدولة، أي أن تكون فيه قوة مادية كافية لحماية البلاد أي أن اقتصاده وجيشه وأوضاعه تجعله قادراً على حماية نفسه من غزو خارجي وإذا لم تتوفر في البلد القوة المادية الكافية لحمايته، أي إذا لم تتوفر فيه جميع مقومات الدولة فإنه لا يصلح أن يكون نقطة ارتكاز إلا في إحدى حالتين: الأولى أن لا يكون هناك أي احتمال من غزو خارجي له، والثانية أن يكون هناك مكان آخر، أي كيان آخر من المؤكد أن يتجاوب معه إذا قامت الدولة فيه، ويمكن أن تتوفر منهما معاً أو من أحدهما جميع المقومات للدولة، ففي أي حالة من هاتين الحالتين يصلح المكان لأن يكون نقطة ارتكاز ولو كان مدينة أو قرية، متى وُجد فيه رأي عام وعدد كاف من الأشخاص فإنه يؤخذ الحكم فيه مهما كانت قوته المادية ولو لم تتوفر فيه مقومات الدولة، لأن الفكرة نفسها فيها قوة الدفع والانتشار.
هذا هو موضوع نقطة الارتكاز: أن تكون البلد أي الكيان تتوفر فيه مقومات الدولة، فإذا لم تتوفر فيه هذه المقومات لا يصلح نقطة ارتكاز أي لا يؤخذ الحكم فيه، إلا أنه إذا كان البلد لا يحتمل أن يأتيه غزو خارجي أو كان من المؤكد أن يتجاوب معه قطر آخر يشكلان معاً كياناً تتوفر فيه مقومات الدولة، فإنه حينئذ يصلح نقطة ارتكاز ويؤخذ فيه الحكم.
والحزب يعرف أن الأردن بضفتيه لا تتوفر فيه مقومات الدولة، ولذلك فإنه منذ أن انتقل من مرحلة الثقافة ودخل في محاولة مخاطبة المجتمع، أي في نقطة الانطلاق، أخذ يعمل في الأقطار الأخرى من مجال الحزب بقوة وخفّف الأعمال في الأردن خشية أن يتجاوب قبل الأقطار الأخرى ويضطر الحزب لأن يأخذ الحكم فيه. ولكن بالرغم من عدم العناية بالأردن، وبذْل كل الجهود في غير الأردن من ولايات المجال، فإن الأردن تجاوب من نفسه دون جهد من الحزب، فصار على الحزب أن يعمل لأخذ الحكم في الأردن، فبدأ الحزب يعمل في الأردن وفي غير الأردن لإيجاد القوة المادية الكافية والقادرة على أخذ الحكم عن طريق طلب النصرة، لا سيما بعد أن صار التجاوب محققاً من قِبَل كيان آخر. وبذلك صار الأردن من الممكن أن يكون نقطة ارتكاز، ومن الممكن أن يأخذ الحكم فيه، لأنه قد تحققت فيه شروط نقطة الارتكاز.
هذا مجمل الجواب عن السؤال أو على الأصح عما في نفس السائل. أما تفصيلات الأجوبة عن أسئلته الأربعة فهي:
أ- المقصود بقوة البلاد المادية اقتصاده وعيشه أوضاعه، أو بتعبير آخر تتوفر فيه مقومات الدولة، أي قوة البلد نفسه الذي قامت فيه الخلافة، أي لا بد أن يتوفر في البلد الذي تقوم فيه الخلافة مقومات الدولة جميعها.
ب- تجاوب المدن الأخرى في نفس القُطر لا يعتبر تجاوباً، لأن قيام الخلافة في كيان يجعلها قائمة في جميع أنحاء الكيان، بل التجاوب المطلوب هو تجاوب كيان آخر تتوفر فيه مقومات الدولة، أو تتوفر فيه مع القُطر الذي قامت فيه الخلافة مقومات الدولة.
ج- إن إقامة الدولة لا يشترط فيها أي ظرف دولي ولا أي ظرف محلي، بل الشرط الأساسي توفر مقومات الدولة، أي وجود القوة المادية الكافية لحماية الدولة.
د- كانت المدينة صالحة لأن تكون نقطة ارتكاز لأنها تتوفر فيها مقومات الدولة بالنسبة لدول الجزيرة، بل إن الطائف كانت صالحة لأن تكون نقطة الارتكاز لأنها تتوفر فيها مقومات الدولة بالنسبة لدول الجزيرة. لذلك لم تكن في حاجة للتجاوب، والحاصل أن الحزب لم يعمل لأن تكون الأردن نقطة ارتكاز بل عمل في الكيانات التي تتوفر فيها مقومات الدولة لأن تكون نقطة ارتكاز بغض النظر عن التجاوب من كيانات أخرى، ولكن لمّا تجاوبت الأمّة في الأردن، وتحقق ضمان التجاوب من كيان آخر تتوفر فيه مقومات الدولة، حينئذ عمل في الأردن لأن يكون نقطة ارتكاز، وإن كان الحزب بدأ العمل المباشر في الأردن لاستلام الحكم منذ حصل تجاوب الأمّة فيه.
3- لا يصح أن يُتصور أخذ الحكم بأنه في متناول اليد، ولا يصح أن يُسعى إليه بخفة ولا أن يُظن بأنه شيء يمكن الوصول إليه باليسر، فالحكم في الأحوال العادية عن طريق الانتخابات أمر عسير لا يتأتى وصول من هُم أهل له إلا بالعمل الجدّي المتواصل بضع سنين، فكيف بأخذ الحكم بالقوة عن طريق القوة المادية؟ فإنه أصعب وأشق، فالوصول للوزارة سواء عن طريق العملاء أو عن طريق الشعب من أصعب الصعاب، فكيف الوصول إلى رئاسة الدولة وإلى قلب النظام وأهل النظام؟ لذلك لا يصح أن تؤخذ أمور الحكم بمثل هذه الخفة، بل لا بد أن تؤخذ بعناية واهتمام وتقدير تكون في مستوى السلطان. فالحكم هو قطع الأرزاق وقطع الأعناق، والمتربعون على الحكم إذا لم يكونوا مسنودين من قوة مادية وفكرية خارجية فإن بيدهم قطع الأرزاق وقطع الأعناق، فليس من السهل جعل رعاياهم يأخذون الحكم منهم، لأنه لا بد أن لا يبالوا بقطع الأرزاق وقطع الأعناق حتى يُتصور أنهم يتحركون مجرد حركة لأخذ الحكم، فكيف بنقل هذا التحرك إلى فعل مادي مؤثر يطيح بالحكم؟
4- لا يصح أن يُتصور طلب النصرة بأنه أمر هين، وأن مجرد التحرك إليه كافٍ لأخذه، لا يصح أن يُتصور ذلك لا سيما من شباب الحزب. وإذا كان الشاب يعرف أنه حتى يُقنِع واحداً بالدراسة يبذل جهداً غير عادي، فكيف بإقناع شخص يبيع نفسه ويستعد للموت في سبيل الفكرة؟ وإذا كان الشاب يترك الحزب بعد سيره عدة سنوات خوفاً من الحزب، فكيف من سار معك للموت لا يتركك حين يتحقق من الجدية ويشاهد الموت بعينه؟ وإذا كان إيجاد حلقة للدراسة في أجواء الرعب والخوف من مجرد السجن أمر عسير، فكيف بإيجاد حفنة من الناس تحت أجواء الإعدام وخراب الديار؟ لذلك يجب أن يُتصور طلب النصرة كما هو وفي واقعه، وكيف أنه يحتاج إلى سنوات في مثل هذه الأجواء وهذه الأحوال، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد بدأ بطلب النصرة منذ السنة الثامنة للبعثة، ولم يتحقق له إلا في السنة الثالثة عشرة على يد مصعب بن عمير وليس أمامه دول كبرى ولا استعمار ولا هذا التردي والانحطاط وانعدام القيم في الناس، فكيف يكون طلب النصرة في مجتمع يبايعك الرجل على الموت ثم يتركك دون أن يكلف نفسه بإخبارك أنه تركك؟ فطلب النصرة أمر في غاية الصعوبة وفي غاية الخطر، فهو يحتاج إلى رجولة وجرأة غير عادية ويحتاج إلى دأب وأساليب غير عادية ويحتاج إلى صبر وأناة وحسن تقدير. فلا يصح أن تؤخذ النصرة بمثل هذه الخفة، فإن ذلك ليس من شأن حملة الرسالات.
12 محرم 1390هـ
20/3/1970م